قطر 2022.. مونديال المفاجآت

مشاهدات

 





ياسر عبد العزيز

كل مشجع في استاد الافتتاح وجد على كرسيه كيسا تذكاريا صغيرا فيه مسك وعود كل المدن القطرية تزينت بالأضواء المبهجة وتلألأت الأبراج الشاهقة بأعلام الفرق المشاركة وانتشرت اللوحات المكتوبة عليها آيات قرآنية وأحاديث نبوية بالعربية والإنجليزية لتعريف ثلاثة ملايين ضيف من أنحاء الكوكب بالإسلام بعد أن تم تشويهه على مدى عقود ليتحول المونديال إلى ساحة دعوية لم يتوقع أكبر دعاة الأمة أن تفتح له هذه الطاقة لكل هذا العدد من البشر لتعريفهم بالدين . وأظنها مفاجأة أيضا للاتحاد الدولي لكرة القدم الذي دوما ما يحذر من الخوض في الدين أو السياسة داخل الملاعب أو على هامش الفاعليات التي ينظمها وفي الافتتاح كانت المفاجآت تتوالى بداية من التنظيم والعروض الضوئية والفنية والتراث وصولا للمفاجأة الكبرى الشاب الفذ غانم المفتاح الذي فعلا أبهر العالم وجعله أصغر من أن يستوعب هذه الطاقة الإيجابية لشاب أثبت أننا نحن المعاقون . نعم نحن معوقون لأننا خلال عشر سنوات لم نستطع كمعارضة أن نصنع واقعا أو حتى نغيره حتى لا نصل إلى تلك المفاجأة التي أعدها لنا أمير قطر الذي اتخذت دولته لمونديال 2022 شعار المحبة والسلام ونبذ الكراهية وتجلى ذلك الشعار في تلك الصورة التي تناقلتها وكالات الإعلام لمصافحة بدت أنها حميمية بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورأس النظام في مصر عبد الفتاح السيسي وتباينت المشاعر بين الحنق والحقد والحسرة والشماتة ولم ينس المصريون نصيبهم من النكتة كمتنفس يلجؤون إليه وقت الضيق .

 

في مقال موقف المعارضة المصرية من تقارب القاهرة وأنقرة.. الخطأ الاستراتيجي تحدثنا عن الفرص الضائعة التي فقدتها المعارضة المصرية على مدى عشر سنوات هي عمر وجودها على الأراضي التركية . فعلى الرغم من الضغوط التي مورست على الرئيس أردوغان لتركه المعارضة المصرية تعمل على أراضي بلاده بحرية سواء من الدول الإقليمية أو حتى من الداخل التركي بل ومن داخل الحزب نفسه في ماراثون ممتد منذ سنوات يغالب فيه الرئيس التركي رغبات وضغوطات رغم التحولات الإقليمية التي أثرت على مواقف كل الأطراف وأعادت تموضع الجميع في ديناميكية تتسارع فيها القوى لأخذ مكانها في رقعة اللعب الإقليمي والدولي . منذ عام ونصف كتبت مقالا بعنوان هل قرر أردوغان رفع المعارضة المصرية من على جهاز التنفس ؟ لكن ذلك لم يحدث كما أن المعارضة رغم إمهال القدر لها لم تستغل الفرصة وصممت على أن تتنفس حتى آخر دفقة أوكسجين من أنبوب أردوغان في غرفة عنايته المركزة لكن الرجل وفيما يبدو شعر بزيادة الكلفة فقرر أن يفصل أجهزة التنفس ليلقى المريض ربه بعد أن باتت كل أجهزته لا تعمل وتوقف المخ . لقد بات من المستهلك أن نتحدث عن المبادئ في السياسة بعد أن استنفد كل طاقته في المحافظة عليها وعلى المعارضة المصرية خلال السنوات العشر الماضية كما أنه من المستهلك أن نتحدث عن أنه "لا حك جلدك مثل ظفرك" والجديد أن أحدهم شمت في فشل دعوات الحادي عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي بحجة أنه ليس جزءا من هذه الدعوات في حين أنه اختار هذا الخيار فلا رحم ولا ترك رحمات الله تنزل على هذا الشعب المطحون . وبغض النظر عن موقفي من هذه الدعوات وعدم جهوزية النزول ومن ثم الدعوة لها  فإن تراكم الخبرات يستوجب قياس القدرات والجهوزية . إن معادلة التغيير مبنية على عوامل يجب قياسها بدقة تشمل عدم الرضا في مقابل رؤية يجب التخطيط لها بعناية مع قياس الإمكانيات التي بها يمكن تنفيذها ثم الخطة التي بها تطبق هذه الرؤية . وحاصل مجموع هذه العوامل يجب أن يقاس بالمقارنة بالمقاومة للتغيير بمعنى قوة النظام وتماسكه والدعم الشعبي له  ومن ثم فإن عوامل تلك المعادلة توضع على مقياس PESTEL لتحليلها وإضافة عناصرها على تلك العوامل . فبعد رفع واقع العوامل الثلاثة السابقة بدقة يأتي تحليل PESTEL والذي يختصر بأحرفه تحليل الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية والقانونية تضاف لها العوامل الثقافية والعوامل الأخلاقية .

 

ولا تُستبعد في الحالة السياسية الأوضاع الإقليمية والدولية بعد أن باتت عاملا مؤثرا بشكل كبير على تمرير أي تغيير ممكن  لذا فإنه لضمان حصول التغيير الناجح لا بد من استخدام التأثير والتفكير الإستراتيجي واتباع الخطط والتكتيكات ومن ثم الأنشطة الممهدة للوصول للهدف الموضوع ما يعني أن خطة الكابتن الجوهري في كأس العالم "كلنا ندافع وكلنا نهاجم وربنا معانا" لن تفلح في ظل تطور الخصم ورفع جهوزيته المستمرة في ظل تدفق الأدرينالين المزمن في عروقه منذ الانقلاب . وأخيرا وليس من باب التخذيل ولا التواكل فإن هذه المصالحات التي تأتي تحت ضغط الظرف لن تنجح فالانتخابات على الأبواب والرئيس التركي يريد أن يسد كل ثغرة للوصول لعام 2023 بنجاح لأنه بوابة نهضة الجمهورية الثانية في تركيا، تركيا التي لن يستطيع فصيل غير العدالة والتنمية أن يقود خطتها الطموحة . لذلك أستدعي موقفا للأستاذ أربكان رحمه الله عندما سلب منه سليمان ديمريل الحق في تشكيل الحكومة وقد كان حزبه يستحق بموجب الدستور أن يشكل الحكومة لكونه الحزب صاحب الأغلبية واستدعى قادة حزبي الطريق القويم برئاسة تانسو تشيلر والحزب الجمهوري برئاسة دنيز بايكال لتشكيل الحكومة فذهب أنصار أربكان ليسألوا ماذا ستفعل ؟


فقال الأستاذ نجم الدين أربكان : "سأجلس بهدوء وأحتسي قهوتي وأشاهدهم وهم يفشلون".

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري