لبنان أين، ولماذا، وكيف : السياسة، والطائفية

مشاهدات

 



كتب : نضال العضايلة

مفهوم السلطة في لبنان يحمل رصيدا ضخما من المعاني، تشكل منذ أقدم العصور إلى اليوم تنظيرا وممارسة، ولذلك تضيق السلطة في سويسرا الشرق، كمفهوم محدد وتتسع لمفاهيم دينية وسياسية وروحية ومادية ولدلالات متعددة ومتشعبة تبعا لمجال البحث فيها.

لا أحد ينكر أهمية لبنان عبر تاريخه بغض النظر عن مراعاة التغيرات الطارئة عليه، وحتى لا نقع في التحريف الذي يسلبه معانيه ويخرجه من سياقه العربي والإقليمي التاريخي، وفي إطار النظرة الإيديولوجية التي باتت تتعمق يوماً بعد يوم، حتى وصل الأمر في نهاية المطاف إلى ما وصل إليه اليوم.

وما يحدث في لبنان اليوم ليس جديداً، فكل الاحداث التي عاشها هذا البلد خلال اكثر من أربعين عاما تخضع لمعادلة واحدة، فالأمور اليوم نسخ مكررة، لكن في ظل ظروف سياسية مختلفة لما كان يجري خلال هذه العقود، فاللبنانيون فقدوا دولة قوية ذات سيادة ومرجعية وقدرة على تطبيق القانون، وأصبح كل طرف من أطراف المعادلة هناك يتحدث بلغة مرجعيته او مموليه ومحركيه، وفقدت هذه القوى الحديث باللغة الوطنية اللبنانية.

انهيار السلطة في واحد من أعرق البلدان العربية، لم يتم عندما سيطر مسلحو حزب الله وحركة امل على الشوارع بل منذ ان اصبح اجتماع القوى السياسية لقاء اقليميا يمثل عواصم عربية وإيران وواشنطن، والسلطة منهارة عندما اصبحت المؤسسة العسكرية والأمنية، اما مخترقة من ميليشيات سياسية، او مؤسسة ضعيفة عاجزة، وأصبحت القوى السياسية تنظر الى جيش الدولة نظرة انسانية فيها من العطف والشفقة، وليست نظرة تقدير كمؤسسة مرجعية لحماية الناس والبلاد.

في أكتوبر 2019، فاجأ لبنان سياسييه والذين يتابعون من الخارج التطوارت فيه، بتدفق بشري في الشوارع رفضاً لتفشّي الفساد والمحسوبيات في أوساط المسؤولين، وللسياسات الاقتصادية والاجتماعية التي أدت إلى إفقار الشعب اللبناني، إلا أن هذا التدفق فقد قوته عندما تدخلت بعض القوى السياسية التي باتت تسيطر على المشهد العام، وبالرغم من ذلك فقد نجح اللبنانيون في تأسيس مفهوم جديد للوطن، إذ اكتشفت اللبنانيات واللبنانيون أنهم لا يملكون وطناً، ذلك بأن وطنهم الصغير ممزق على قياس الطوائف التي حولت واقع التعددية الدينية في لبنان إلى مطيّة تسلّقتها طبقة المافيويين الذين لا همّ لهم سوى نهب خيرات البلد ورهنها للخارج.

في المحصلة وفي العقود الثلاثة الماضية، أدارت الطبقة الحاكمة اللبنانية، التي تتألّف من نخب متداخلة في السياسة والأعمال، البلاد على نحوٍ تسبّب باستنزاف مقدّراتها وانهيارها، إذ تتحمّل نخب رجال الأعمال والسياسيين مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع في البلاد، فقد تقاسموا القطاعَين العام والخاص في ما بينهم، وأنشأوا منظومة تتيح لهم اقتطاع إيرادات مالية من أي نشاط اقتصادي تقريبًا.

 السياسة في لبنان هي خطوط الاشتباك المذهبي بين حزب الله الشيعي والقوات اللبنانية المسيحية، وهي أيضاً "سلاح المقاومة"، وحصة رئيس الجمهورية في أي تعيينات إدارية، وهي الضغوط الهائلة التي يمارسها الثنائي الشيعي للإطاحة بقاضي التحقيق في انفجار المرفأ طارق البيطار. أما رعاية مصالح الناس، والنظر في تلبية احتياجاتهم، وهي موضوع السياسة الأول، فهذا ليس شأن أحد من القوى التي سطت على الدولة وعلى مقدراتها.
 
 ويتوسد سؤال مهم اليوم المجتمع اللبناني، وهو ما الذي حدث للحريرية السياسية؟، وفي شقه الثاني، إلى أن وصلت بعد عزوف الشيخ سعد الحريري عن خوض الانتخابات واعتزال العمل السياسي؟.
 
 ما بين الدم والدموع كانت النهاية لحقبة امتدت لأكثر من ثلاثين عاما، الدم الذي بذله الاب رفيق الحريري عندما اغتيل في وضح النهار وفي وسط العاصمة بيروت، والدموع التي ذرفها نجله سعد في خطبة وداع عاطفية أعلن خلالها تنحيه من العمل السياسي في لبنان.
 
واليوم وبعد أن غادر الحريري الإبن الحياة السياسية بدموعه يُحال المستقبل إلى بيئته السنيّة السياسية، فهذه لا تستطيع البقاء في حالة الفراغ القيادي، ولا تقوى على الإقامة في الانتظارية السياسية القاتلة، وهي مضطرة لمنح "بركتها" لشخصيات بديلة من الحريري، بغض النظر عن كفاءة هذه الشخصيات حالياً، وعن مستوى حزبيتها الشعبية.

على الجانب الآخر، يفضل حزب الله الانقسام الوطني على تذوق مرارة الانقسام الشيعي، النهج المتبع لدى حزب الله هو: "نحن شيعة شيعة، من طهران الى بيروت، وما يخدم مصالحنا فقط هو الالتفاف والتلاحم الشيعي، باعتباره أولوية الأولويات (الجوهر)، ووحدة الصف الشيعي تعلو على ما عداها من الانتماءات"، فيما يدرك الحزب جيداً، ماهية أدوار حركة أمل وهي الحليف الأبرز له، في المحاصصات والاستنفاع والتوظيف السياسي لتحقيق المصلحة. لكن الحزب يفضل التعامي عن ذلك، إما بفعل المشاركة بالفساد أحيانًا، وإما بفعل التحالف المتين مع الحركة.

والمخفي أن هذا التحالف ليس حبًا في حركة أمل، أكثر مما هو دفاع عن كل شيعي على وجه الأرض، حتى لو كان فاسدًا، لمجرد أنه يلتزم بخطاب "المقاومة" وأجندة طهران في المنطقة.

وعلى صعيد العلاقة بين نصرالله وجعجع، يصطدم الحزب بمعاندة مسيحية أهلية يرعاها رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع. لا يواري الرجل دعمه للناس محترما وظائفه كزعيم يطرح نفسه وحزبه راعيا لأمورهم مدافعا، بمفهومه ورؤيته وتاريخه، عن الوجود المسيحي في لبنان. يصطدم الحزب بحالة نسي وجودها منذ أن صار "الحرص على السلم الأهلي" لسان حال كل الزعامات التي كانت عصيّة قبل ذلك. ويفقد الحزب أدوات الفطنة والحذق ورشاقة إدارة الأزمة، وهو الذي أجاد مقاربة مآزق كبرى قبل ذلك بمهارة وخبث.

لا يعترف حزب الله بواقع الأمر وينهل أبجدية متقادمة من أمره الواقع، فيعلن نصر الله أمر عمليات ضد "المجرم والقاتل والسفاح"، وتروح جوقة حزبه تردد حرفيا وببغائيا تلك النعوت الشاتمة، ويحرك الحزب نفوذه لدى "المحاكم" لتأثيم جعجع وسوقه نحو غرف التحقيق واسقاطه بالقانون بعد أن ثبت استعصاء اسقاطه، على الأقل في الوقت الحالي، بالضربة القاضية.

وفي وقت تشتد فيه الأزمات بلبنان بسبب سياسة «حزب الله»، التي تصب في مصلحة إيران وتضر بمصالح اللبنانيين، تعمل الماكينة الانتخابية للأحزاب السياسية لعقد تحالفات جديدة، لا تشبه التحالفات السابقة لاعتبارات لوجيستية وشعبوية، نظرا إلى حساسية الوضع قرر عدد من السياسيين العزوف عن الترشح منهم رئيسا الحكومة السابقان تمام سلام وسعد الحريري، إلا أن الثابت في المعادلة السياسية هو أن الانتخابات النيابية في لبنان ستجرى على قاعدة رفع الاحتلال الإيراني عن لبنان.

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري