ظاهرة الرشوة في العالم العربي

مشاهدات

 



 

عمر سعد سلمان
 

يعد سلوك الرشوة واحداً من اهم الامراض الاجتماعية للمال بوصفه فعلاً مجرماً اجتماعياً ومحرماً دينياً ومرفوضاً على مستوى الفرد والجماعة، حيث يقوم من خلاله بالاتجار بوظيفته او الخدمات التي يقدمها للآخرين، فيعتدي على القيم وينتهك المعايير الاجتماعية ويتبنى سلوكيات شاذة ومضادة للمجتمع واخلاقياته وقوانينه واعرافه.
والرشوة ظاهرة اجتماعية ذات ابعاد نفسية عديدة ومتشابكة يعمد اليها طرفان أحدهما الراشي والآخر المرتشي، وقد تشترك فيها ثلاثة أطراف حيث يتدخل طرف ثالث وسيط لتسهيل وقوع فعل الرشوة، الذي يضمن القيام او الامتناع عن أداء عمل من الاعمال لتحقيق منفعة شخصية لفرد او جماعة نظير الحصول على المال.
وسلوك الرشوة هو ما يقدم في صورة مال او ثروة او ملكية او خدمات او هدايا لفرد او لعدة افراد لحثه او حثهم على التصرف بشكل غير امين يخلو من النزاهة والشرف. وهو بذلك لا يعتبر دافعاً الى السلوك بل باعث عليه، ويحتمل حين وقوعه ان يشبع ظروفاً دافعية، وذلك لانه مجموعة مواقف خارجية يتعلمها الفرد ويربطها بإزالة موقف مثير للقلق والإحباط والتوتر النفسي.
اذن، سلوك الرشوة لا يطلق طاقة داخلية ابداً، وهو اذ يحفز الفرد فانما يحفزه الى طمع من يأخذ وحسد من لا يأخذ، ونتيجة الاحساسين مزيد من الفشل والتحاقد بين الافراد، وذلك لان سلوك الرشوة يملي على صاحبه ان يستجيب لموقف معين ويهمل المواقف الأخرى بحيث تطوع الظروف البيئية وتحدد أنماط السلوك بما يتماشى مع المصالح الذاتية. ولما كانت الظروف البيئية عديدة ومتنوعة والمصالح الشخصية الذاتية اكثر تنوعاً، اصبح سلوك الرشوة ذا موضوعات ورموز: الموضوعات كثيرة ومعظمها يدور حول أمور مالية مثل الهدايا والخدمات والامتيازات، اما الرموز فهي كل ما يتصل بالجوانب النفسية وما يحث السلوك ويدفعه الى الاتجاه نحو هدف معين.
وسلوك الرشوة يفتح امامنا العديد من التساؤلات التالية: هل الذين يرتشون هم الافراد الذين يحتاجون الى المال او الافراد الأكثر مالاً؟ باختصار: الفقراء ام الأغنياء؟ وما هي أسباب سلوك الرشوة؟ هل هي أسباب اقتصادية او اجتماعية او نفسية؟ او ان كل هذه العوامل تتضافر معاً، لتشكل في النهاية شخصية المرتشي؟ وما الوزن النسبي لكل عامل من هذه العوامل؟ وهل هناك علاقة بين سلوك الرشوة وأساليب تربية الوالدين في مرحلة الطفولة؟ فالاسباب الاقتصادية لسلوك الرشوة تتمثل بالفقر والاحتياج، وحدوث غلاء الأسعار وتحول النظام القيمي في المجتمع الذي جعل المال هو القيمة الأعلى في اذهان كثير من الناس والرغبة الأولى لديهم، فتراجعت بذلك قيم كثيرة وظهرت قيم اكثر خطورة مهدت الطريق الى سلوك الرشوة، فأصبح البعض ينظر الى اعمال الربا على انها نوع من أنواع التجارة، وراق لبعضهم ان يطلقوا عليه (استثمار للاموال) او (توظيف للأموال)، فتزايد بذلك أصحاب المصالح والمرابون والجشعون الانتهازيون، وراغبو الكسب السريع، الذين هم بحق النواة الأولى لسلوك الرشوة.
اما الأسباب الاجتماعية لسلوك الرشوة فتبدأ بنقص فرص الاختيار والوسائل المشروعة لتحقيق الأهداف، والافتقار الى الضمير المهني، وعدم فهم الدلالة الأخلاقية للعمل. وقد ينتج سلوك الرشوة عن مفهوم اللامعيارية، الذي يعكس المشكلات المرتبطة بانعدام القواعد الأخلاقية العامة التي تنتج من تضارب في القيم الاجتماعية بحيث لا يوجد تصور واضح محدد حول ما صواب وما هو خطأ. ونسق القيم لدى المرتشي هو نسق متضارب ومشوه وباهت، ومبني قيم ذاتية لا تتوافق مع الضمير الجمعي، بل تتوافق سلباً مع مصالحه الشخصية.
ويوصف النسق القيمي لدى بعض المرتشين بأنه نسق ضيق لا يتجاوز دائرة الحياة الجنسية، فالقيم والأخلاق في نظرهم مقصورة على مسائل العرض والعفاف والوفاء الزوجي، مما يعني ان الضمير الأوحد لديهم هو الضمير الجنسي، بينما تنعدم كل أنواع القيم الأخرى، وان وجدت فتكون ضعيفة وباهته، خصوصاً القيم المهنية وشرف المهنة والعمل. والحقيقة ان ازمة القيم التي يعيشها المرتشي انما هي ازمة يعيشها المجتمع العربي كله. فلو القينا نظرة سريعة على مفهومنا العربي للقيم والأخلاق لوجدنا ان هذا المفهوم لا يتجاوز الحياة الجنسية، مع ما تتطلبه من تنظيم للعلاقات بين الرجل والمرآة. فالاخلاق لدينا مقصورة فقط على مسائل الشرف والعفة والوفاء الزوجي، حتى ان القيمة الأخلاقية لا تكاد تعدو هذه الدائرة الضيقة من دوائر السلوك البشري، فالضمير الأوحد الذي يلتقي به افراد المجتمع العربي انما هو الضمير الجنسي، وآية ذلك اننا لا نعلق أهمية كبيرة على الضمير المهني والضمير المدني والضمير القومي والضمير العالمي مقتصرين في العادة على تنمية ضميرنا الجنسي وحده. فنحن نلوم مثلاً، الشخص الذي يعد فتاة ما بالزواج دون ان يفي بوعده، بينما لا يكاد يخطر على بالنا ان نلوم سياسياً لانه غرر بشعبه، او ان نلوم شخص مسؤول لانه لم يف بتعهداته، ونحن نصب اللعنة على الزوج الخائن الذي يخدع زوجته، لكننا قلما نقسو على التاجر الجشع والطالب الغشاش والصحفي الكاذب والموظف المرتشي.

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري