عودة اللقالق

مشاهدات


 
فائزة محمد علي فدعم



استيقظت صباحا على اصوات صديقاتي وهم يضحكون فرحين فاخبروني ان الشمس مشرقة هذا اليوم بعد الامطار الشديدة التي هطلت يوم امس وسعف النخيل يصدر صوتا يشبه الصفير من شدة الرياح وعلى عادتهم جلبوا الحلويات والطعام لأصعد معهم الى سطح دارنا حيث تجلس امي وبعض صديقاتها اللواتي يتجاذبنَّ اطراف الحديث مُتمتعين بالشمس المُشرقة وكنا نشاركهُم تلك الجلسات ونستمع الى اجمل الاحاديث والقصص وهم يتناولون الشاي ويأكلون الكعك.  وهنا تطفوا في مُخيلتي بعض القصص والاحداث عن بعقوبة عندما تسقط الدور القديمة على ساكنيها من شدة الامطار أو تصيب الصواعق النخيل العالي ( نخلة العيطة ) او تقطر السقوف ماءا على ساكنيها وتسقط داخل الغرف على الفراش والوسائد واحيانا تضطر هذه العوائل الى ترك بيوتها حيث يستقبلهم الاصدقاء والجيران ليقضوا ليلتهم معهم والكارثة عندما تخترق قطرات الماء السقوف الخشبية المكسوة بالطين وتتساقط على الباميا والباذنجان والثوم والخبز اليابس والفلفل الاحمر الذي كان يعلق في غرفة المؤونة والسرداب وتخزن لاستخدامها عند الحاجة في فصل الشتاء . كنا نحن الصغار نفرح عندما تضرب الصاعقة الاشجار او تسقط لنحصل على الجمار ( وهو لب رأس النخلة )


كان الوالد يأخذني مع صاحباتي الى البستان عندما يتوقف المطر لتفقدها ونحن نسير خلفه والواحدة تمسك بيد الاخرى بعد ان نرتدي الجزم السوداء خوفا من الوقوع أو التزحلق في الطين . ندخل فرحين منشرحين الصدور ونقوم بقطف (الحيوة ) السفرجل والحصول على ( الشيخ عصملي . هي كلمة تركية ) كذلك ( القلغان ) الذي هو عبارة عن نبتة نقوم بقطفها وخلع الاوراق الموجودة فوقها ونأكل اللب الذي كان طعمه لذيذا جدا والكعّوب والبطنج المنتشر على حافة السواقي والفطر المشروم  الذي كان الوالد يحذرنا منه لان بعض انواعه سام لايصلح للأكل وعندما نتعب نأخذ معنا البطنج ونضعه في السلة ( العلاگة ) لتقوم الوالدة بغسله ونشره وتجفيفه وطحنه بالهاون لأنها مُتمرسة في تحضير انواع الطعام فتصنع التشرباية (محروگ اصبعة . او تسمى مثروده ) مع مزيج من حب الرمان الذي يُخزَّن بعد نشرة على اشعة الشمس ليكون جافّا ثم يوضع في اكياس من قماش يطلق عليه (خام الشام ) يصنع خصيصا لهذا الغرض حتى لايتلف . هكذا تمر علينا ايام الشتاء بسعادة وفي نهايته تنتهي حكايات نساء الجيران ولكن تبقى صور قصصهم تُداعب مُخيلتي ومع اطلالة الربيع حين تزدهر الحدائق والبساتين وتدب الحركة بين الناس تعود اللقالق الى بعقوبة بعد هجرة دامت اشهر .

كان ضريح السيد (ابو ادريس ) يرتاده الزائرون كل يوم سبت . خاصة النساء مع قدر الدولمة والرز الاحمر وصينية العروك والسماور الذي يوضع عليه قوري الشاي . كانوا يأتون لإيفاء النذور التي تمنوا حصولها وكذلك من اجل طلب حاجات جديدة وهنَّ يضعن شرائط القماش الملونة (الخرگ) من ملابسهن القديمة ويربطنها في جدار الضريح الذي كان سابقا دون سياج ولا سقف وكان بعضهنّ يضعنَّ الحناء على القبر او النقود والشابات يدعون بصمت من اجل الزواج وتُردد كل واحدة (ياسبت ياسبوت راويني حضي قبل لا موت ) والنسوة الاتي لم يرزقهن الله بالذرية يضعنَّ ثوب لامع على الضريح وكان القائم عليه او الخادم يقوم بقراءة بعض الادعية بصوت غير مفهوم على رؤوسهنَّ وعلى الحرمل وبأجور زهيدة جدا لأنه رجل قنوع يقبل بما يتكرم عليه الناس .

في الخمسينيات والستينيات كان في قمته توجد اربع اعشاش لقالق كبيرة . عندما نحاول النظر اليها نشعر بالدوار بسبب ارتفاعها وقد كثر الحديث عن هذا النوع من الطيور من الجيران والاصدقاء لانهم في موعد عودتها من المهجر يفرحون وخاصة عندما تتعالى اصوات مناقيرها وتروى عنها الحكايات والاحاديث على ان اعشاشها تحتوي على مُجوهرات وكنوز من اللآلئ والذهب .

كان هذا الامر يشدني الى هذه الروايات ومن الصدف انه كان امام دارنا بالضبط في الجهة الاخرى يقع جامع الشابندر الذي يفصلنا عنه نهر خريسان وفوق قمته عُشُ لقالق كبير جدا تعود اليه بعد هجرتها الطويلة . وعشٌ اخر في مثلث يقع بين دارنا وبيت السيد احمد افندي والسيد داود دبدب وهو فوق التيغه ( التيغة : هي جدار عالي يطلق عليه احيانا الطوفة )

كان هناك احد اللقالق الذي يسكن مع انثاه عاليا فوق احد الجدران وعند تفقيس البيوض كانوا يتناوبون على حراستها ورعاية صغارهم . يجلبون لهم الضفادع والاسماك الصغيرة وصغار الافاعي لإطعامهم ومعها ترتفع اصوات طقطقة مناقيرهم ورفرفة الاجنحة التي تجذب لها الانظار وبسببها نستيقظ من النوم . كانت تحلق بعيدا في السماء قبل الظهيرة وانا وصاحباتي نجلس في الشناشيل ونفتح الشبابيك الخشبية من الاعلى خاصة عند شروق الشمس التي ترسل لنا اشعتها الذهبية . في العشاء كنا نراقبها ايضا كل يوم حتى اصبحت عادة مُستديمة لنا منذ شروق الشمس حتى غروبها .

كان يصاحب ذلك اصوات العمال الحشّارة وهُم يُرددون الاهازيج قبل ان ينتهون من عملهم لكري نهر خريسان وتنظيفه من الطين والطابوق ويضعونه على جانبي الشط فقد كان وقتها بلا سياج وخطر على الاطفال وفي هذه الاثناء يتولى اهل المحلة الكرماء توزيع الخبز الحار والشاي والتمر الزهدي والحلاوة . كان عمري آنذاك سبع سنوات ولازلت اذكر العمال الذين كان بعضهم من اهالي بعقوبة يترأسهم المراقب الذي كان اسمه محمد وهو يصرخ طيلة النهار لأنهُ يحثهُم على انجاز العمل بسرعة .

 كنا نشاهد اللقالق في حركة دائمة وهي تتقافز وقد اصبحت افراخها كبيرة تطير عاليا ثم تعود . وفي يوم من الايام استيقظنا في الصباح ولم نجدها فقد هاجرت . اما انا فقد بقيت افكر واتخيل الى اين ذهبت وكان حلمي الكبير ان ارى ما بقي في العش من اشياء ثمينة وكنت اردد دائما امام اهلي ما الذي سيكون عليه مصير الكنز . كنت احلم باني ملكة والجواري والخدم تحت امري وكأنها حكاية من حكايات الف ليلة وليلة . استمريت بالحديث عن الجواهر والكنوز مع صديقاتي في المدرسة والمحلة واهلي واقاربي حتى ضجروا مني من كثرة ترديدي لهذه الامنيات وفي لحظة غضب صعد خالي بعد ان ارتقى الحائط ليصل الى العش واصابته الدهشة مما رأى . وجد قماش الكلبدون اللماع مع خرقة بالية لونها اصفر موجودة على جانبيه وهنا شعرت ولأول مرة بان احلامي قد ذهبت سدى .

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري