خاطرة

مشاهدات



ذرى كفاح


دقت الساعة الخامسة والنصف فجراً في باريس هذا اليوم .. مازال آذان الفجر وجرس المنبه المضبوط منذ الليلة السابقة على بُعدِ ساعة من الآن..  انه منبّه من نوع آخر ايقظ عينَيَّ واستيقظ في داخلي .. منبه يعلن أوانَ التغيير والعمل في وقتٍ يغط فيه الجميع بنوم هانئٍ عميق أعلنَ انسحابه بسلام عن مُقلتَيَّ بعد سبع ساعات متواصلة  …

اجبرتنا الحياة الجديدة والنظام في أوربا على النوم مبكراً . إذ نرى الناس، اذا ماحل الظلام، هدأت البيوت وسكنت الأصوات وتوقفت آلات الموسيقى عن النقر وخفت حركة السير في الشوارع الا ماندر في اوركسترا خفيّة منظمة دائمة التكرار تتماشى والآية الكريمة  (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا) (11 )(سورة النبأ)... فلا يبقى امامي وانا غير مهتمة بالخروج من الشقة واكتشاف ماتحت جنح الظلام الا الاستسلام الى نوم عميق في ساعة مبكرة لاتتجاوز العاشرة والنصف من كل ليلة. 

واستطيع القول انه بعد مايزيد عن الشهرين على هذا النظام الفطري (سبات في الليل وكدٌّ في النهار )  قد اصبحت بشرتي اكثر نظارة وعقلي اكثر فاعلية ونفسي اكثر طمأنينة وقوة ..

انه نظام يومي لا ينحسر على مفهوم الليل والنهار واوقات النوم فحسب . بل يتعداه الى الدقائق المحسوبة لوصول وسائل النقل العام في مواعيدها المحددة ودقة الالتزام بالوقت من مُقدمي الخدمة وطالبيها على السواء .. نظام يشعرك بالحاجة الى ان تلهث هرولة للحاق بتفاصيله تارة ويعطيك شعوراً آخر بالأمان تارة اخرى لأنك تستطيع التنبّؤ بمجريات الأمور من حولك والتخطيط بنجاح للمستقبل .

أجبرتني هذه الخاطرة الى العودة بذاكرتي الى الحياة في العراق حيث ننكر حق العيون في طلبها للنوم المبكر ونمضي الى التمرد على الفطرة السليمة التي فطَرنا عليها خالقنا.. ونزيد التمرد بإطلاق لقب (دجاجة) على الشخص الذي ينام مبكراً في ظن خاطئ منا ان مخالفة الفطرة هي دافع للقوة ومقياس للسيطرة على مجريات الامور .. فضاع الانجاز وسط هذا الارتباك ودخلنا في دوامة من التخبط والكسل وتمشية الروتين اليومي بشكل يخلو من الالهام والابداع.. 

لقد ضيعنا فطرتنا بتمردنا هذا فضاعت منا القدرة على التنظيم والتفكير بالمستقبل.. اننا ببساطة غير قادرين على رؤية المستقبل او التخطيط لما سيحدث بعد شهر او بعد سنة او بعد عقد من الزمان فقط لأننا فشلنا في الاعتراف والالتزام بنظام حركة الكون والكواكب وانعكاسها في حياتنا اليومية وتأثير الأزمان علينا كبشر مثلما لم نستطع قبولها واستغلالها لصالحنا.. اننا نعيش حقاً أزمة وعي ..

لذا فنحن بحاجة الى التوقف.. التوقف التام والإنصات لما يعتمل في وعيِنا كشعب يفتخر بانحداره من اعرق حضارات الارض ويعيش الان في ادنى مستويات الرقي الانساني . نحن بحاجة الى التوقف والتصالح مع ماضينا وان تطلب ذلك الكثير من البكاء  ..

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري