طوب ابو خزامة

مشاهدات




فائزة محمد علي فدعم


ان اهل مدينة بعقوبة اناس طيبين بالفطرة . كانت تربطهم علاقات جيدة فقد كانوا يتجمعون في ليالي الشتاء الطويلة من اجل التسلية وقضاء الوقت .  كانت تُهيء الوالدة منقلة الفحم والجمر المُلتهب للتدفئة وتضع عليها إبريق الشاي وعندها تبدأ احداهنَّ بسرد القصص المُسلية . كنت اجلس قريبة جدا منها صاغية لما تتحدث به ومنها : 

حكاية ( طوب ابو خزامة ) 

صادف ان رزقت جارتنا ام حسين بولد أصابه ( ابو صفار ) فأشارت عليها احدى السيدات ان تعبر به سبع قناطر على نهر خريسان واقترحت أخرى ان تُلبسهُ خرزة صفراء على صدره كانوا يأتون بها من الحجاز او توضع نونة سوداء تأخذ من حذاء قديم علىً جبهة الطفل لطرد الشياطين ومن العادات الاخرى ايضا ان يُؤخذ الصغير الى اي شرطي او جندي ويُمررهُ من تحت حزام البندقية وقد استجابت والدتي لطلبها بالذهاب الى الجسر حيث التقينا بجندي صغير السن فقد كان التجنيد الاجباري سائدا وقتها . كان شابّا لطيفا مُؤدبا يبدو عليه انه كان مُدللا عند والديه . يحمل بندقيته ويجلس على صخرة وحيدا بمواجهة نهر ديالى وفي تلك اللحظة كانت الشمس تميل الى الغروب وتنعكس صفرتها على اشجار البرتقال والظلام سيحل قريبا ولم يكن هناك الا عددا قليلا من المارّة . تقدمت جارتنا الى الجندي وطلبت منه ان يُمرر الطفل لكنه تفاجأَ ورفض ويبدو عليه انه لايؤمن بهذه الخرافات وبدأ يصرخ بصوت عالي ممنوع ممنوع ويردد بسم الله الرحمن الرحيم وكلمات غير مفهومة وبدا عليه الخوف والارتعاش وأخذ العرق يتصبب من جبهته رغم اننا كنا في عز الشتاء . عرفنا انه جندي مكلف يخدم لثلاث اشهر ويدفع البدل النقدي وقد اصابنا الاحباط وعدنا الى البيت بالعربة التي يقودها الحصان التي كانت بإنتظارنا . 

توالت لقاءاتنا المسائية وكان الحديث عن طوب ابو خزامة يثير انتباهيً وتكررت الليالي واللقاءات ولكن قصته تتردد في مُخيلتي اضافة الى احاديثهم عن المدفع وكراماته وكانت الخالة زهوري العارفة النسائية تتحدث عنه بكثره وتشرح أدق تفاصيله ولماذا سمي ابو خزامة فتقول : بسبب وجود عروة في فوهته وشرخ كبير يطلق عليه الناس (مشرومة ) او خزامة وهي كلمة مأخوذة من القرويات اللواتي يعملنَّ ثقبا في انوفهنَّ ويضعنَّ فيه حلية ذهبية تسمى ( خزامة ) وقد شاركَنا يوما الوالد بالحديث عنه فاخبرنا بان اصله عثماني وهو جزء من تراث عراقي مُرتبط بعادات كثيرة واكثر السذج يزورونه للتبرك به وايفاء النذور اليه ومن العادات المعروفة ايضا انهم كانوا يأخذون اليه الاطفال حديثي الولادة وتقوم خالته او القابلة (الجدة) بإدخال راسه في فوهة المدفع ليصبح قويا سالما من الامراض وكذلك المصابين بالحمى والجدري أو الحصبة التي كانت مرضا فتاكا في ذلك الوقت . كما تقوم الفتيات اللواتي تأخرنَّ بالزواج بربط الشرائط على الخزامة . كذلك يأخذون اليه المصابين بالأمراض العقلية ويربطوهم بحبال قصيرة في عجلة المدفع او الخزامة ايضا . 

كما يتبرك به الناس الفقراء عسى ان يُرزقوا العمل والمال كما اخبرتنا ام داوود ان المدفع عصى اوامر السلطان مرة ولم يتحرك من مكانه فضربه بسيفه البتار فوقعت الخزامة وهنا غضب ورمى بنفسه في نهر دجلة فادى ذلك الى حزن كبير من الاهالي في بغداد فتوسلوا بالسلطان لكي يعيده فتألم لهذا الحال وقرر الاستجابة والتعاطف معهم فنزل مع جنوده الى النهر وانتشلوه واعادوه الى مكانه الاول وسط فرحة الناس وزغاريد النساء . كانت الاسماك ملتصقه به وبقيت ظاهرة عليه ويذكر الناس كراماته عندما دافع عن بغداد حيث نفذت ذخيرته فالتهم التراب والطابوق والحصى من الارض ليرمي بها الاعداء ويمنعهم من احتلالها ومن يومها عشقوه وبدأوا بتقديم القرابين اليه ليساعدهم في محنهم وهم يعتقدون بانه مخلوق من بحر القدرة . 

كان لهذه الكلمات تأثيرا كبيرا على نفسي لهذا كنت التصق بالوالدة من شدة الخوف وهكذا استمرت الايام حتى جاء فصل الصيف ولم نعد نلتقي وكلٌ يذهب الى غايته وصادف ان اصبت بالتهاب اللوزتين وارتفعت حرارتي قليلا مما اقلق العائلة واخذ الوالد المتألم يُردد أمام الناس وكل من يصادفه بان ابنته فائزة مريضة وهنا خطرت الفكرة عند والدتي وطلبت منه ان يأخذوني الى بغداد لزيارة طوب ابو خزامة عسى ان يشفيني وقالت له ان البنت محسوده . تبسم ونظر الينا وهز يديه مُستهزئا لأنه كان مُثقفا ولا يعترف بهذه الخرافات فتوسلت به حتى وافق مُرغما فقال لها بعد غد سأذهب الى بغداد لشراء قطع الغيار للماطور الذي يسقي البستان واخذكم معي وكنت العب مع صديقاتي عندما جاءت الوالدة لتخبرني بالسفر . لكنها تفاجأت باني لم اوافق واشترطتُ ان يذهب معنا (خليل تُكيه ) لان وجهه يُشبه ثمرة ( التوت ) وهو في نفس عمري تقريبا ولكنه رفض لأنه لايستطيع فراق اهله وفي تلك الاثناء مرَّ امامنا راعي غنم يتقدم القطيع عنزة صغيرة بيضاء على رقبتها جرس صغير يرنُ مع ايقاع مشيتها فنظرت اليها وكانت قد اعجبتني وحدقت بوجه والدتي وقلت لها :

 سأسافر بشرط ان تشتري لي هذه العنزة الصغيرة الجميلة وماكان منها الا ان وافقت ونظرت الي وابتسمت وقالت سنشتريها . ذهبنا الى بغداد مبكرين ونزلنا في باب المعظم قبل الظهر بقليل لكي يشتري الوالد الادوات التي يحتاجها وبعدها توجهنا الى وزارة الدفاع القديمة وجلس والدي في احدى المقاهي القريبة وانا ووالدتي ذهبنا الى طوب ابو خزامة وكانت هي تردد الآيات القرآنية يغمرنا الفرح والسرور والأرض مليئة بالحلويات والشموع والحناء وشرائط وخرق مُختلفة الالوان مربوطة على الخزامة او موضوعة حول المدفع كانه كرنفال شعبي اما بالنسبة لي فقد احسست بالرهبة والخوف رغم انه كان قديما جدا ومليئا بالزخارف على جانبيه واسماء لا اعرفها . كان منظرهُ مُخيفا بالنسبة لي لأني لم اتعود مشاهدة مثل هذه الامور وكان على الارض ثلاث او اربع كرات كبيرة على ما اذكر ويقال انها (گله) او فتيلة او زرزبانه . 

استمرت الوالدة بالدعاء ولمس فوهة المدفع تارة ووضع يدها على رأسي تارة اخرى ولكن عيني كانت ترنو الى كثير من الشرائط فقمت بحذر شديد بنزع بعضها ووضعها في جيبي فحذرتني وقالت لي حرام عليك ان تلمسيها او تأخذيها فقلت لها لأربط الخرق حول عنق العنزة حتى لاتهرب .

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري