التوجهات الجديدة للسياسة الخارجية الجزائرية قراءة في الخلفيات والأبعاد

مشاهدات



الدكتورة جعفر صبرينة

- مختصة في الشؤون الأمن وسياسات الدفاع


مرت الدبلوماسية الجزائرية منذ الاستقلال بفترات متقلبة من القوة والضعف، وتعتبر فترة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، العصر الذهبي للدبلوماسية الجزائرية حيث أنشأت شبكة واسعة من العلاقات المؤثرة لاسيما مع دول عدم الانحياز والمعسكر الاشتراكي. وسيتراجع بعد ذلك نشاط الجزائر الدولي خلال العقود اللاحقة ليصل إلى حالة الخفوت خلال عقد التسعينيات مع موجة العنف والارهاب التي اجتاحت البلاد بعد إلغاء الانتخابات التشريعية في عام 1990. ورغم محاولات العودة إلى المشهدين الدولي والإقليمي بعد نهاية ما سمي بالعشرية السوداء، إلا أن الجزائر لم تستطع أن تستعيد عنفوان دبلوماسيتها بسبب جمود النظام السياسي خلال السنوات الأخيرة من حكم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأيضا نظرا لعدم استقرار أسعار النفط التي تعد المصدر الرئيسي للدخل، وأحد عناصر قوة الدبلوماسية الجزائرية.


ولكن من أبرز ما ميز خطابات الرئيس عبد المجيد تبون بعد تنصيبه في 19 ديسمبر 2019 إعلان عزمه على استعادة الجزائر لدورها الدبلوماسي لاسيما في جوارها الإقليمي والقضية الفلسطينية. فقد شهدت نفوذ الجزائر خلال العقود الثلاثة الأخيرة تراجعا كبيرا في الكثير من المناطق التي كانت فيها فاعلا مؤثرا، ومن ضمنها المنطقة المغاربية وإفريقيا.


لم يكن موقف الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون فريداً، بل إنه يمثّل استمراراً في توجُّهه كرئيس، كما السياسة الخارجية للدولة. فتبون يكرِّر مواقفه منذ انتخابه رئيساً خلَفاً للرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، ليس من القضية الفلسطينية فحسب، بل أيضاً من القضايا العربية بصورةٍ عامة، مثلما فعل عقب أدائه اليمين الدستورية في ديسمبر 2019، حين أكد مواقف بلاده تجاه القضايا العربية، وسعيها لتعزيز علاقات الأخوّة والتعاون والتوحُّد بهدف تجاوز المحن والمصائب، متطلعاً "بشوقٍ إلى رؤية الأشقاء في سوريا والعراق واليمن قد تجاوزوا محنهم"، ومعرباً عن استعداد الجزائر للمساهمة في تحقيق ذلك، وإصلاح الجامعة العربية بصفتها المظلة الجامعة لكل العرب، والمعبِّرة عن وحدتهم ووحدة مصيرهم.


- الخلفيات 


لقد استشعرت الجزائر ضعف جهازها الدبلوماسي أمام طموحاتها في لعب أدوار خارجية والتوسط في عدد من الملفات المعقدة وفي مقدمتها الملف الليبي وملف سد النهضة الإثيوبي، وهو ما يبدو أنه دفعها إلى إعادة النظر في أداء دبلوماسيتها حيث كانت الدبلوماسية الجزائرية تعيش انكفاء لافتا خلال العشرية الأخيرة عمّق مشاكلها الخارجية الأمر الذي سمح بظهور توازنات أخرى في بؤر التوتر الإقليمية، كما هو الشأن في ليبيا ومالي، وذلك بسبب ضغط الأوضاع الداخلية وعدم الاستقرار في هرم السلطة إلى جانب غياب قاطرة أمامية تقود السلك الدبلوماسي وعدم الاستفادة من الجالية المهاجرة في الخارج ومن الكفاءات الوطنية المنتشرة في العالم، كما ساهمت وضعيته الصحية التي تجاوزت خمس سنوات في شلل الجهاز الدبلوماسي على غرار الأجهزة والمؤسسات الأخرى.


في المقابل، سجل الجار الإقليمي الجزائر خلال السنوات الأخيرة انتصارات دبلوماسية مهمة حيث نجح في استمالة مواقف العديد من الدول الأفريقية والأميركية الجنوبية لصالحه في قضية الصحراء الغربية التي تعتبرها المغرب أصل النزاع بين البلدين، في الحين تؤكد الجزائر أن النزاع في الصحراء الغربية هو قضية تصفية استعمار لا يمكن أن تجد طريقها للحل إلا عبر تفعيل مبدأ تقرير المصير. ويبقى النجاح الأهم هو اعتراف الولايات المتحدة بسيادته المزعومة على الصحراء الغربية المحتلة، وفتح سفارة في الأقاليم الجنوبية للمغرب وهي الخطوة التي تبعتها العديد من الدول الأفريقية والعربية.


رغم أن موقف الجزائر تجاه قضية الشعب الصحراوي ودعمها لكفاحه العادل، نابع من المبادئ السامية لثورة الفاتح من نوفمبر المجيدة، ويعكس أيضا إلتزامها تجاه احترام القانون والشرعية الدوليين، سيما القرارات الصادرة عن الجمعية العامة ومجلس الأمن بخصوص هذه القضية المدرجة على جدول أعمال اللجنة الرابعة المعنية بتصفية الإستعمار.


- الأبعاد والتحديات الصعبة


عملت الجزائر على إعادة تنشيط السياسة الخارجية فكان حضورا لافتا في خطاب الرئيس عبد المجيد تبون، منذ انتخابه في الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 12 ديسمبر 2019، الذي أعلن عن عزمه على استعادة الجزائر لدورها الدبلوماسي لاسيما في جوارها الإقليمي. فالجزائر تمتلك عناصر قوة كامنة مهمة –لا سيما القوة الاقتصادية والديموغرافية– يمكن أن تجعلها فاعلا إقليميا أساسيا في منطقة شمال إفريقيا، حيث حضرت الاستراتيجية الدبلوماسية الجديدة في مخطط عمل الحكومة، وذكرت وثيقة المشروع بأن “النشاط الدبلوماسي سيتركز خلال السنوات القادمة على الدفاع عن مصالح الأمة والمساهمة في استتباب الأمن والاستقرار الإقليميين، وتعزيز الروابط مع أفريقيا والوطن العربي، وتنمية الشراكة والسلم في العالم، وإعادة نشر الدبلوماسية الاقتصادية في خدمة تنميتنا.


إن الجزائر بحكم تاريخها ووزنها وموقعها الجغرافي المركزي بين القارة الأفريقية والوطن العربي والبحر الأبيض المتوسط، ستلتزم أكثر من أيّ وقت مضى بترقية مبادرات والقيام بمساعٍ وبذل جهود من أجل المساهمة في تسوية الأزمات والنزاعات في المنطقة على غرار النزاع في الصحراء والأزمة في ليبيا أو عدم استقرار الأوضاع في منطقة الساحل الصحراوي، وكذا عبر القارة الأفريقية، والشرق الأوسط والحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط.


فالجزائر كدولة مستقلة ذات سيادة سارعت منذ استقلالها إلى تبني سياسة خارجية تتسم بالواقعية، عبر دبلوماسية تحكمها المبادئ  والأهداف الواردة في مختلف المواثيق والدساتير الوطنية الجزائرية (عدم التدخل في الشأن الدّاخلي للدول، وحل النزاعات بين الدول المجاورة بالطرق السلمية وعدم اللجوء إلى القوة ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها واحترام الحدود الموروثة عن الاستعمار والتي تعد في مجملها امتداداً لمبادئ  ثورة  نوفمبر 1954، تمكنت من خلالها الجزائر أن تحقق عديدا من الإنجازات، في شتى المجالات السياسية والاقتصادية وحتى الثقافية، بحسب الظروف والمعطيات التي كانت تفرضها في كل مرة البيئتين الداخلية والدولية عليها، وتكون بذلك بمثابة عوامل أو محددات في توجيه سياستها الخارجية. لقد كانت الجزائر تعد قبلة الأحرار للحركات التحررية والمناضلين والمثقفين في الدول العربية والأفريقية وحتى في أمريكا اللاتينية.


مما لا شك فيه أن السياسة الخارجية للدولة الجزائرية من خلال تعبيرها عن سلوكها الخارجي، تتأثر بالحالة أو الوضعية التي تفرزها عليها تطورات النسق الدولي، الذي تتفاعل فيه الدولة مع غيرها، وتتحدد الصورة التاريخية لهذا النسق الدولي تبعاً للتفاعلات السائدة في إطار هذا النسق، والتي تتمثل في القواعد السلوكية التي تحكم العلاقات بين أعضائه. والجزائر دولة ليست بمعزل عن المتطلبات التي تفرضها عليها هذه البيئة، والتي تشكل محدداً من محددات سياستها الخارجية ضمن علاقة ثنائية ومتبادلة التفاعل ترتكز على عنصري التأثير والتأثر. وبالتالي كانت ملتزمة على إرساء محاولات مناسبة للتماشي مع هذه المتطلبات، وفقًا لما تقتضيها مصالحها وأهدافها في هذا المجال.


يندرج التعيين الأخير لسبعة مبعوثين خاصين من قبل رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، في إطار السياسة الخارجية الجديدة للجزائر، التي تحولت نحو نهج التأثير، هذا القرار املته إرادة الجزائر في لعب دور طلائعي في تسوية الأزمات في المنطقة (افريقيا - المغرب العربي- العالم العربي)، والتأثير على القرارات على الصعيد الدولي، أن هذه الإرادة قد كشف عنها رئيس الجمهورية في خطاب التنصيب كرئيس للجمهورية، وتم التأكيد عليه في خطابه بمناسبة مشاركته الأولى في قمة الاتحاد الافريقي في شهر فيفري 2020.


إن تعيين المبعوثين السبعة الخاصين، يستجيب خاصة إلى فئتين من الأهداف التي سطرها رئيس الجمهورية والمتمثلة في أهداف جيو-استراتيجية وأهداف موضوعاتية خاصة في الأهداف الجيو-اسراتيجية فإن الدبلوماسية الجزائرية قد حددت أربع اولويات تتمحور حول إفريقيا والمغرب العربي والعالم العربي وكبار الشركاء (الاتحاد الاوروبي وروسيا والصين)، والتي أسندت مهامها إلى أربعة دبلوماسيين محنكين.


وهذا تماشيا مع مجموعة من المبادئ والثوابت لم تتغير منذ الاستقلال، أهمها، عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وأولوية الحلول السلمية، ورفض التدخلات العسكرية الأجنبية، ودعم القضايا العادلة وحق الشعوب في تقرير مصيرها وتخليصها من سيطرة الاستعمار.


يسعى هذا المقال استشراف التوجه الجديد للسياسة الخارجية للجزائر خلال العقد القادم. وذلك لمعرفة التأثيرات المحتملة، على التوجه العام للسياسة الخارجية الجزائرية من جهة، وعلى الوضع الإقليمي المغاربي والعربي والدولي من جهة ثانية أخرى.


إن الجزائر  لها محددات كثيرة تجعل علاقة السياسة الخارجية بمحيطها الإقليمي يحكمها عامل التأثير المتبادل. أولا، مكانة الجزائر، باعتبارها دولة محورية في النظام  الاقليمي والافريقي، وأن أي تغيير مهم في مشهدها السياسي الداخلي سينعكس تلقائيا على محيطها الإقليمي. ومن علامات أهمية الجزائر في المشهد السياسي المغاربي أنها البلد العربي الوحيد الذي طلبت منه الحكومة الليبية المعترف بها دوليا تفعيل اتفاقيات التعاون الأمني إلى جانب كل من تركيا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وإيطاليا. ولا يفسر هذه الدعوة فقط كون الجزائر تتقاسم مع ليبيا حدودا برية طويلة تقارب الألف كيلومتر، بل أيضا لقوة الجزائر العسكرية وسياستها الخارجية تجاه حكومة طرابلس. وهذا يظهر أهمية الجزائر لدى الحكومة الليبية، ومن شأن هذا أن يعزز نفوذ الجزائر في الداخل الليبي إضافة إلى ذلك، هناك تقارب ملحوظ بين الجزائر وتونس بعد فوز قيس سعيد بالانتخابات الرئاسية التونسية في 13 أكتوبر 2019. وقد تبادلت الدولتان خلال الأسابيع الأخيرة، لاسيما بعد وصول عبد المجيد تبون إلى رئاسة الجزائر، زيارات رسمية كثيرة رفيعة المستوى، من بينها زيارة الرئيس التونسي للجزائر في أول زيارة رسمية له للخارج في 1 فبراير 2020. وأعلنت الجزائر خلال هذه الزيارة عن وضع وديعة قيمتها 150 مليون دولار لدى البنك المركزي التونسي لمساعدة تونس على مواجهة الصعوبات الاقتصادية الحالية وتقديمها تسهيلات لسداد المستحقات المتأخرة للغاز والمحروقات الجزائرية. رغم أن هذه الوديعة ليست مبلغا كبيرا، لكنها تظل مهمة جدا للاقتصاد التونسي. بدون شك فهذا الدعم المالي لتونس سيعزز علاقاتها بالجزائر، لكن هذه الأخيرة لا تستطيع أن تقدم مساعدات كثيرة لجارتها الشرقية بسبب ما يواجهه الاقتصاد الجزائري من صعوبات خلال السنوات الأخيرة. وتبقى تونس مقصدا لمئات الآلاف من السياح الجزائريين كل سنة، وقد يتزايد عددهم في المستقبل عندما تحقق تونس استقرارا سياسيا ، وتنوع من عرضها السياحي.


تجدر الإشارة إلى أن الجيش الجزائري قام بعمليات عسكرية داخل التراب التونسي في 2014،  وهي المرة الثالثة التي يتدخل فيها خارج الإقليم الجزائري بعد مشاركته في حربي 1967 و1973 ضد الكيان الصهيوني. لقد كانت تونس في ظل حكم كل من الرئيسين الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي أقرب سياسيا إلى المغرب منها إلى الجزائر لاعتبارات تاريخية. فهل ستتغير المعادلة في ظل حاجة تونس للدعم المالي والاقتصادي والعسكري الجزائري خلال السنوات القادمة وفي ظل ولاية الرئيسين الجديدين في كلا البلدين.


يتمثل المحدد الثاني في ما يشهده المحيط الإقليمي للجزائر من اضطرابات تهدد الأمن القومي الجزائري، وخاصة استمرار الأزمة في ليبيا التي تشترك مع الجزائر في 982 كلم والتي يصعب مراقبتها. تشكل الفوضى الأمنية وعدم الاستقرار السياسي في المحيط الإقليمي للجزائر تحديا وفرصة في الآن ذاته للدبلوماسية الجزائرية لتستعيد حيويتها. لكن يتوقف ذلك على قدرة السلطة الجديدة في الجزائر على استثمار هذا الوضع الإقليمي بشكل جيد للعودة إلى الساحة الإقليمية لتصير فاعلا  إقليميا أساسيا.


أما على المستوى العسكري، فرغم النمو الملحوظ لميزانية الجزائر العسكرية منذ 2004، حيث صار الإنفاق العسكري يشكل ما بين 5.2 و6.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الجزائري فمن السهل أن تحقق تفوقا عسكريا من حيث العتاد ونوعيته مقابل المغرب الذي يتبنى هو أيضا سياسة تسلح طموحة. 


تجدر الإشارة إلى أن تطور تسلح الجزائر هدفه المباشر الرئيسي في مواجهة التحديات الأمنية العابرة للحدود التي أصبح تشكل تهديدا كبيرا لأمنها الوطني. ورغم أن كل دولة تنظر بتوجس لسياسات التسلح التي تنهجها الدولة الأخرى، وقد تفسر أيضا بكونها تعكس النوايا ”العدوانية“ لدى الدولة الجارة المغرب.

فالحين منذ عودة المخضرم رمطان لعمامرة إلى وزارة الخارجية الجزائرية، مطلع شهر جويلية الماضي، فعّلت الجزائر دبلوماسية إخماد الحرائق  أو "دبلوماسية تصدير السلام"، كما عبر عن ذلك الوزير الجزائري غداة تسلمه منصبه إضافة إلى يمكن تسميته بالدبلوماسية الردعية والاستخباراتية.

فعرّاب مشروع "إسكات البنادق" بالقارة الأفريقية في 2020، لم ينتظر طويلا ليُخرج من جعبته خبرة حل النزاعات الدولية، فطار إلى مناطق توتر وأزمات بالمنطقة بحثاً عن مخارج سلمية.


وكان بارز من كشف لعمامرة عن أولويات الدبلوماسية الجزائرية في المرحلة القادمة رغبتها "للعودة بقوة" إلى عمقها الأفريقي والعربي، ليس في إطار ثنائي فقط، بل كـ"وسيط محايد وموثوق لحل نزاعات القارة الأفريقية.


وتشكل التحديات الأمنية بالجوار الإقليمي للجزائر أحد عوائق في تصدير السلام والأمن في المنطقة. وسيكون همها الأساسي خلال السنوات الأخيرة حماية أمنها الوطني وتدبير التحديات الأمنية عبر حدودها الطويلة مع ست دول، وهي المغرب وتونس وليبيا وموريتانيا ومالي وتشاد.


قامت الجزائر منذ 2013 بتحصين حدودها مع دول الجوار بحواجز حدودية، ويكمن الهدف الأساسي لتحصين الجزائر لحدودها في محاربة التهديد الأمني للجماعات المسلحة العابرة للحدود.  إن مراقبة هذه الحدود الطويلة سهلة الاختراق ستشكل عبئًا أمنيا وماليا باهضا على الجزائر وسيكون من مصلحة الجزائر تحقيق الاستقرار في ليبيا، لأن من شأن ذلك تخفيف العبء الأمني والمالي عليها.


لهذا أصبح من الضروري على الدبلوماسية الجديدة  أولا هو محاولة اخماد النيران المحيطة بها خصوصاً في ليبيا ومالي خشية وصولها إلى العمق الداخلي وبالأخص الخطر الإرهابي، من خلال مساعدة الفرقاء في البلدين على إيجاد حلول سلمية بعيدا عن التدخلات الخارجية، وثانيا التعاطي مع أزمتان تحاصران الجزائر من خاصرتيها الشرقية والجنوبية منذ أكثر 10 سنوات كاملة، ساعدت على تحول هذين البلدين إلى أرض خصبة لأخطر الجماعات الإرهابية، ما يدفع البلاد لإشهار ورقة حل الأزمات كواحدة من مقاربات تضييق الخناق على ارهاب المنطقة، بعد أن استبعدت أي امكانية لتدخل عسكري ويبقى الهدف الاسمى هو إعادة الدبلوماسية الجزائرية إلى "أعوام توهجها" في المحافل الدولية، خصوصاً أن لها باعا طويلا في حل الأزمات الدولية خاصة بالقارة الأفريقية ومنطقة الشرق الأوسط.


إن الجزائر قد شاركت بشكل كبير في إخماد عديد بؤر التوتر في بلدان الساحل وإفريقيا وهي بصدد لعب دور حاسم في تسوية الأزمة الليبية ونفس الأمر ينطبق كذلك على القضية الفلسطينية وأصرَّت الجزائر على مواقفها الثابتة تجاه القضية الفلسطينية، وسعت لتوحيد المواقف العربية تجاهها بصورةٍ خاصة، ولكل ما يجمع الدول العربية، من انتماء واحد، ومصالح واهتماماتٍ مشتركة، بصورةٍ عامة.


تعد الجزائر واحدة من الدول العربية القليلة التي لم تَسِرْ في رِكاب الحرب على سوريا، والتي لم تساهم في إقصائها عن جامعة الدول العربية، أو في تأييد القرارات التي اتُّخذت ضدها. لقد تميز الموقف الجزائري تمايزاً لافتاً عن مواقف الدول التي سارت مع دول الخليج العربية في حربها على سوريا منذ عام 2011 (الجزائر والعراق تحفَّظتا على تجميد عضوية سوريا في الجامعة العربية). وواظبت الجزائر على الدعوة إلى ضرورة تغليب لغة الحوار، ووقف العنف، وإطلاق حوار سياسي بين السوريين، للتوصل إلى اتفاق نهائي يحفظ وحدة سوريا واستقرارها وسيادتها.


أمّا في ما يخص مسار التطبيع مع العدو، فإن الموقف الجزائري يبدو لافتاً جداً، ليس في رفض هذا المسار فحسب، وإنما أيضاً للارتفاع الملحوظ في حدة الرفض الجزائري له منذ وصول الرئيس تبون إلى سدّة الرئاسة. فإن كانت الدبلوماسية الجزائرية على الدوام مناصرةً للمقاومة في مواجهة كيان العدو، إلاّ أن موقفها لم يكن بهذه الحدة تجاه الدول العربية الأخرى، التي تشهد أنشطةً وملامح للتعاون مع العدو. لكن المرحلة الحالية، حملت معها لغةً جزائرية جديدة تجاه "عرب التطبيع"، حين وصف تبون سعيهم للتطبيع بـ"الهرولة"، مؤكدا أن  الجزائر لن تقبل بعد الآن بأن تكون طرفاً متفرجاً على صراع الآخرين في محيطها الاستراتيجي.


تواجه الجزائر تحديات إقليمية ودولية، منها ما تعلق بالذاكرة والتاريخ المشترك مثلما يحدث مع فرنسا، وما هو مرتبط بالأمن والاستقرار الداخليين، مثل التوتر مع المغرب، كما أن هناك "غضباً" من تهديدات بالوكالة من جهات ليبية ومالية، إضافة إلى خصام خفي مع أطراف أفريقية "تدعم" الوجود المغربي في الصحراء الغربية، وتستهدف التقارب مع إسرائيل، عكس توجهات الجزائر، وهي كلها ملفات جعلت الجزائر تحرّك دبلوماسيتها بشكل لافت من أجل التسوية، فمخطط عمل الحكومة أولى أهمية كبيرة للسياسة الخارجية، جاعلاً من ترقية السلم في العالم والمساهمة في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين وإعادة نشر الدبلوماسية الاقتصادية من بين أولوياته، إذ أوضح أن نشاط الجزائر الدبلوماسي سيتركز خلال السنوات المقبلة على "الدفاع عن مصالح الأمة، والمساهمة في استتباب الأمن والاستقرار الإقليميين، وتعزيز الروابط مع أفريقيا والوطن العربي، وتنمية الشراكة والسلم في العالم، وإعادة نشر الدبلوماسية الاقتصادية في خدمة تنميتنا.


تنظر الجزائر للقضية الصحراوية كما القضية الفلسطينية بأنها قضايا تحرر مدرجة ضمن أجندات الأمم المتحدة لتصفية الاستعمار، وتشبثها بهذا المبدأ كلفها الكثير على عدة أصعدة، خاصة ما تعلق بتوتر علاقتها بجارتها المغرب، ومع دول عربية مطبعة مع إسرائيل التي تتمدد أيضا في المحيط الإفريقي.


إضافة إلى ذلك تعد منطقة الساحل الحديقة الخلفية للجزائر، ولعبت طيلة عقود في تهدئة الأوضاع المضطربة في جارتيها الجنوبيتين مالي والنيجر، آخرها نجاحها في توقيع اتفاق الجزائر للسلام بين الحكومة المالية ومتمردي الطوارق بالشمال في 2015 وباعتباره كان مفوضا لمجلس السلم والأمن، التابع للاتحاد الإفريقي (شبيه بمجلس الأمن في الأمم المتحدة)، يمكن للعمامرة، أن يلعب دورا مهما في تعزيز اتفاق الجزائر في مالي، وتعميم سياسة المصالحة في منطقة الساحل الافريقي.


إن التحرك الكثيف لدبلوماسيتنا يجعلنا نطرح جملة من التساؤلات عن إن كان ذلك مرتبطاً بـ"تحول دبلوماسي" جزائري فرضته التطورات السياسية والأمنية الإقليمية المحيطة، أم هي عودة لـ"أصول الدبلوماسية" الجزائرية، وكذا مدى قدرة الجزائر على إخماد نيران المنطقة في ظل المتغيرات الحاصلة في السياسة الدولية والإقليمية الأيام القادمة يكمن أن تعطنا إجابة واضحة خاصة مع تدهور الخطير مع عدو الأمس واليوم فرنسا وللحديث بقية.

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري