اللواء الركن ضرغام زهير الخفاجي
كاتب وباحث في قضايا الأمن الإقليمي خبير في شؤون الدفاع والتدريب والعلاقات الدولية
*مقدمة
إن من أبسط واجبات الدولة الوطنية وأخطرها في آنٍ واحد هو بناء جيش وطني مهني محترف قادر على الدفاع عن سيادة الدولة وأمنها واستقرارها برًّا وجوًّا وبحرًا وتأمين حدودها وأجوائها ومياهها من أي تهديد خارجي. فالجيوش لا تُبنى للاستعراض ولا تُدار بعقلية التوازنات السياسية بل تُصاغ وفق عقيدة قتالية رصينة وإرادة سيادية مستقلة تقف فوق الحسابات الضيقة.
لكن ما جرى بعد عام 2003 لم يكن إعادة بناء جيش بل كان تفكيكًا ممنهجًا لإرادة الدولة. لقد شكّل قرار حل الجيش العراقي لحظة انهيار استراتيجي حاسمة لم تُجرد البلاد من سلاحها فحسب بل انتزعت منها ذاكرتها العسكرية وعقيدتها القتالية وهيبتها كدولة ذات سيادة.
وما أعقب ذلك لم يكن تأسيسًا حقيقيًا لقوة عسكرية وطنية بل إنشاء كيان هش محدود التسليح ضعيف التأثير خاضع لحسابات سياسية ضيقة ومقيّد بهاجس دائم يتمثل في الخشية من تحوّل الجيش إلى قوة موازنة لنظام سياسي مأزوم يخشى السلاح أكثر مما يوظفه في حماية الوطن.
ورغم ما قدّمه الجيش من تضحيات جسام وما سطّره ضباطه وجنوده من ملاحم بطولية في مواجهة قوى الظلام الإرهابية دفاعًا عن أمن الوطن وسيادته فإنه لم يحظَ بالتقدير الذي يليق بحجمه وتضحياته. فقد كان بدماء شهدائه وصبر جرحاه تُرسَّخ معادلة البقاء للدولة بينما جلس الساسة على كراسي السلطة مستندين إلى تلك التضحيات لكنهم سرعان ما تنكّروا لها.
لقد أُهملت حقوق الجرحى وغُيّبت رعاية المقاتلين وتُركت عوائل الشهداء تواجه مصيرها في مشهد يعكس خللًا أخلاقيًا وسياسيًا عميقًا حيث يُكافأ من قاتل ويُنسى من ضحّى وتُصادر دماء الشهداء في سوق المصالح الضيقة.
*قرار الحرب ومن يملكه
قرار الحرب في الدول الرصينة ليس ارتجالًا ولا يُتخذ بدوافع مزاجية أو اعتبارات سياسية ضيقة بل يُعدّ أعلى تجليات السيادة الوطنية. فهو قرار استراتيجي مركّب يُبنى على تقدير شامل ضمن منظومة دستورية دقيقة تشترك فيها القيادة السياسية والعسكرية العليا بما يضمن توازن القرار بين الحكمة السياسية والخبرة العسكرية.
في الدول المتقدمة عسكريًا يكون القائد العام للقوات المسلحة إما قائداً عسكريًا سابقًا يمتلك خبرة عملياتية عميقة أو يعتمد اعتمادًا كاملًا على مؤسسة عسكرية محترفة يقودها وزير دفاع قوي ومهني ورئيس أركان كفوء. وهنا لا يكون القرار سياسيًا بحتًا بل قرارًا سياسيًا-عسكريًا متكاملًا تُصاغ فيه الحرب كخيار مدروس لا كأداة للمناورة.
أما في الحالة العراقية بعد عام 2003 فقد اختل هذا التوازن بشكل خطير. نشأت فجوة عميقة بين القائد العام ووزارة الدفاع وهيئة الأركان فتحوّل القرار العسكري إلى ساحة صراع سياسي مدني وغابت المهنية لصالح الولاءات الحزبية الضيقة.
لم يعد السؤال: كيف نحمي الدولة؟
بل أصبح: من يسيطر على القرار؟
ومن يملك السلاح....ومن يحتكر استخدام القوة؟
وهنا تتفكك الدولة من داخلها حين يُسحب قرار الحرب من مؤسساته الشرعية ويتحول إلى أداة بيد قوى متنازعة لا ترى في الجيش درعًا للوطن بل تهديدًا لمصالحها.
*دور القائد العام للقوات المسلحة
القائد العام للقوات المسلحة هو رأس الهرم العسكري والمسؤول الأول عن توجيه القوة العسكرية للدولة وحسن استخدامها في السلم والحرب. غير أنّ هذا الدور في الأنظمة الرصينة لا يُمارس بمعزل عن المؤسسة العسكرية بل يستند إلى خبراتها المتراكمة ويُبنى على تقديراتها المهنية الرصينة ضمن علاقة تكامل لا تنازع.
في العراق ومنذ عام 2003 تعرّض هذا المنصب في كثير من المراحل إلى تفريغٍ تدريجي من محتواه المهني نتيجة جملة من الاختلالات الواضحة أبرزها:
* غياب الخلفية العسكرية التخصصية لدى من يتولى المنصب.
* الاعتماد على مستشارين محدودي الخبرة أو بعيدين عن الميدان العسكري الحقيقي.
* تهميش الرأي المهني لصالح دوائر استشارية غير كفوءة.
* إدارة المؤسسة العسكرية بعقلية سياسية لا بمنهج عملياتي عسكري احترافي.
* والأخطر من ذلك أنّ القائد العام تحوّل في بعض المراحل إلى جزءٍ من منظومة المحاصصة بدل أن يكون قائدًا فوقها ما قيّد قراره وربطه بإرادات الكتل السياسية وأفقده القدرة على فرض الانضباط الاستراتيجي داخل المؤسسة العسكرية.
* كما أن تغييب أو إضعاف الاستماع إلى مشورة وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش وهما الركيزتان المهنيتان في إدارة القوة العسكرية أدّى إلى اختلال خطير في عملية اتخاذ القرار حيث غاب التوازن بين الرؤية السياسية والتقدير العسكري وهو توازن لا يمكن لأي جيش محترف أن يعمل بدونه.
وعندما يُدار الجيش من خارج عقله المهني تتحول القيادة من مركز قرار إلى نقطة ضعف ويصبح السلاح بلا توجيه… والقوة بلا أثر.
*دور وزير الدفاع
وزير الدفاع هو المدير التنفيذي للمؤسسة العسكرية والمسؤول عن رسم السياسة العامة للتخطيط والتسليح والتدريب وبناء المنشآت والمعسكرات العسكرية وإدارتها. وهو حلقة الوصل بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية وحارس التوازن بين متطلبات الأمن القومي وضغوط القرار السياسي. وفي الدول المحترفة يُسند هذا المنصب إلى شخصية قوية وكفوءة تمتلك خبرة عسكرية رصينة قادرة على حماية المؤسسة العسكرية من التدخلات السياسية وضمان سيرها وفق معايير مهنية صارمة.
لكن في العراق تعرّض هذا المنصب إلى إضعافٍ ممنهج أفقده كثيرًا من فاعليته وذلك من خلال:
* فرض وزراء دفاع توافقيين يخضعون لمنطق المحاصصة لا لمعايير الكفاءة.
* إخضاع قرارات التسليح للمساومات السياسية بدل أن تُبنى على الحاجة العملياتية.
* تحوّل العقود العسكرية إلى بوابة فساد تُستنزف عبرها موارد الدولة بدل أن تُبنى بها القوة.
* تنصيب القيادات العسكرية وفق توازنات سياسية هشة بعيدة عن المهنية والاستحقاق.
* تدخل قادة الأحزاب وأعضاء البرلمان في إدارة الوزارة بما يقوّض استقلالها المؤسسي.
وبذلك لم يعد التسليح يُقاس بمتطلبات هالمعركة ولا بضرورات الدفاع عن السيادة بل أصبح رهينة “العمولة” السياسية ومجالًا لتقاسم النفوذ ما أدى إلى إفراغ المؤسسة العسكرية من أحد أهم أدوات قوتها: التخطيط السليم والتسليح الكفوء.
وعندما يفقد وزير الدفاع استقلال قراره تتحول الوزارة من مؤسسة سيادية تُدير الحرب إلى دائرة خاضعة لإرادة السياسة... تُقيّد الجيش بدل أن تمكّنه.
*رئيس أركان الجيش: العقل الغائب
رئيس أركان الجيش هو العقل المهني المختص للمؤسسة العسكرية والمركز الذي تُصاغ فيه القرارات التي تؤمن كفاءة الجيش وقدرته على القتال. فهو المسؤول عن:
* إعداد وتدريب الجيش في السلم.
* التخطيط للحرب وإدارة متطلباتها.
* وضع مناهج التدريب وتطوير العقيدة القتالية.
* تحديد أولويات التسليح وفق الحاجة العملياتية.
* توزيع وانتشار القوات بما يضمن حماية السيادة.
* اختيار وتنسيب القيادات العسكرية على أساس الكفاءة والاستحقاق.
غير أنّ هذا الدور المحوري تعرّض بعد عام 2003 إلى تفريغٍ منهجي من مضمونه الحقيقي عبر سلسلة من الإجراءات التي أضعفت مركزه وأفقدته تأثيره من أبرزها:
* التدخل في صلاحيات التخطيط الاستراتيجي منه بشكل مباشر أو غير مباشر.
* تهميش هيئة الأركان لصالح قرارات ذات طابع سياسي.
* إبعاده عن التأثير الحقيقي في عقود التسليح رغم ارتباطها المباشر بجاهزية الجيش.
* فرض قيادات لا تخضع لمعايير مهنية بل لتوازنات طائفية و سياسية.
* تمرير قرارات بعيدة عن التقدير العسكري تُفرض من خارج المؤسسة.
* تدخل جهات نافذة في صلب القرار العسكري بما يقوّض مهنيته.
* ممارسة ضغوط إعلامية وسياسية تحت عناوين حرية الرأي تهدف إلى إرباك المؤسسة والتأثير على قراراتها.
وبذلك لم يعد رئيس الأركان يقود المؤسسة بعقله المهني كما ينبغي بل وجد نفسه محاطًا بقيود تحدّ من دوره وتُفرغ وظيفته من جوهرها الاستراتيجي.
وهكذا تحوّلت المؤسسة العسكرية من منظومة يقودها العقل العسكري المتخصص إلى كيان تُدار مفاصله بقرارات مدنية مسيّسة تُضعف الكفاءة وتُربك الجاهزية وتفصل الجيش عن غايته الأساسية: حماية الدولة والدفاع عن سيادتها.
*من المسؤول عن إضعاف الجيش؟
ما نشهده اليوم من خروقات متكررة للسيادة العراقية لا سيما في المجال الجوي ليس خللًا تكتيكيًا عابرًا بل نتيجة مباشرة لانهيارٍ في البنية الاستراتيجية لاتخاذ القرار العسكري واختلالٍ عميق في علاقة السياسة بالمؤسسة العسكرية.
ويمكن تحديد المسؤولية بشكل واضح ومباشر على النحو الآتي:
أولًا: الأحزاب السياسية
* عملت على إضعاف الجيش خشية تحوّله إلى قوة وطنية مستقلة.
* فضّلت بناء قوى مسلحة موازية خارج إطار الدولة.
* عرقلت تسليح الجيش بأسلحة نوعية تمكّنه من فرض السيادة.
ثانيًا: الفساد
* استنزف ميزانيات التسليح عبر عقود وهمية وصفقات مشبوهة.
* دفع باتجاه شراء أسلحة قديمة أو غير ملائمة لطبيعة التهديدات الحديثة.
* عطّل مشاريع استراتيجية حيوية خصوصًا في مجالي الدفاع الجوي والقوة الجوية.
ثالثًا: القائد العام للقوات المسلحة
يتحمل القادة الذين توالوا على هذا المنصب المسؤولية العليا بحكم موقعهم الدستوري.
* أخفقوا في فرض التوازن بين القرار السياسي والتقدير العسكري المهني.
* سمحوا باستمرار تدخل الأحزاب في شؤون المؤسسة العسكرية ما أضعف استقلالها.
رابعًا: المنظومة السياسية عمومًا
* رفضت دمج الفصائل المسلحة ضمن إطار الجيش النظامي.
* أسست لواقع عسكري مزدوج داخل الدولة.
* قوّضت هيبة المؤسسة العسكرية النظامية لصالح قوى موازية.
* خلقت تشكيلات مسلحة غير نظامية تتفوق أحيانًا على الجيش في الصلاحيات والتسليح ما أخلّ بمبدأ احتكار الدولة للقوة.
وعندما تتعدد مراكز القوة وتُسحب الصلاحيات من الجيش النظامي لا تضعف المؤسسة العسكرية فحسب بل تتآكل الدولة نفسها وتفقد قدرتها على فرض سيادتها وحماية قرارها الوطني.
*الاستنتاجات
* خلل بنيوي في القيادة العامة للقوات المسلحة نتيجة غياب المهنية العسكرية.
* تدخل الاحزاب السياسية في تعيين القيادات وإدارة المؤسسة العسكرية.
* التدخل في واجبات رئيس أركان الجيش وعرقلة دوره الاستراتيجي.
* تسليح الفصائل على حساب الجيش النظامي.
* ضعف وزراء الدفاع وخضوعهم للضغوط السياسية.
* انتشار الفساد في عقود التسليح.
* وجود جيوش موازية داخل الدولة.
* غياب عقيدة عسكرية وطنية موحدة.
*إعادة بناء العلاقات والثقة الاستراتيجية
إلى جانب إعادة بناء الجيش لا يمكن للعراق أن يحمي سيادته ويؤسس قوة عسكرية فاعلة دون إعادة ترسيخ العلاقات مع الدول الشقيقة والصديقة. هذه العلاقات ليست مجرد بروتوكولات دبلوماسية بل أدوات استراتيجية لتعزيز الأمن والدفاع الوطني.
ويأتي على رأس ذلك منح فرصة حقيقية للاتفاقية الأمنية مع التحالف الدولي وحلف الناتو لتكون جسرًا لإعادة بناء الثقة ونقطة انطلاق لإنشاء منظومة دفاعية كفوءة و متكاملة قادرة على حماية سيادة الدولة وتأمين حدودها وأجوائها ومياهها من أي تهديد خارجي.
فالجيش الوطني القوي لا يكتمل دون دعم مؤسساتي دولي متوازن ودون تبادل خبرات تدريبية وعسكرية حديثة ترفع مستوى القدرة العملياتية وتضع العراق في موقع القوة لا الضعف على الساحة الإقليمية والدولية.
*الخاتمة
العراق اليوم يقف على مفترق طرق مصيري في ظل تحولات إقليمية كبرى وصراعات مفتوحة من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية-الإيرانية إلى التوترات المتصاعدة التي تهدد الأمن الوطني و الاقليمي للعراق . وفي هذا المشهد كل محاولة للإساءة إلى المؤسسة العسكرية العراقية البطلة وعلى رأسها السيد رئيس أركان الجيش لا تقل خطورة عن الهجوم المباشر على سيادة الدولة.
إن إعادة بناء الجيش ليست رفاهية أو خيارًا سياسيًا بل ضرورة وجودية والرهان على إهمال هذا الملف يعني المضي نحو مزيد من الانكسار الأمني والسياسي. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا عبر خطوات حاسمة وواضحة:
* تمكين رئيس أركان الجيش ومنحه الصلاحيات الكاملة لإعادة بناء القوة العسكرية فهو العقل المهني الذي يصنع الاستعداد وينسج الخطط ويقود التدريب والتسليح بشكل علمي.
* إعادة هيكلة القيادة العامة على أسس مهنية حقيقية بعيدًا عن المحاصصات والولاءات الحزبية.
* تسليح الجيش وفق متطلبات المعركة الحديثة لا وفق صفقات الفساد والمصالح الضيقة.
* إنهاء تدخل الأحزاب والجهات السياسية في الشأن العسكري ووقف محاولات تحجيم المؤسسة.
* دمج كل القوى المسلحة ضمن إطار الدولة، لضمان وحدة القوة واحتكار الدولة للقرار العسكري.
* تقليص الترهل في الرتب وإعادة الانضباط لتكون المؤسسة العسكرية جسدًا متماسكًا وقويًا لا كيانًا هشًا مشتتًا.
الدول لا تُحمى بالشعارات بل بالجيوش القوية.
والجيوش لا تُبنى بالولاءات بل بالعقيدة والانضباط والكفاءة.
وما لم يُحسم هذا الملف سيبقى العراق دولة بلا درع وحدود بلا سيادة وجيش بلا إرادة.
إن الوقت لا يحتمل التأجيل... والقرار الآن لمستقبل الدولة بأكملها.

إرسال تعليق