الجسر والنهر

مشاهدات

 




نوار الزبيدي

لم أكن موجودا من قبل ...ولربما كنت ..ولكن بشكل مادي ومعنوي على غير الذي انا عليه اليوم... ربطت الضفاف...صغيرها وكبيرها ،
الشاهقات والاقل ارتفاعاً...وأياً كان شكلي ومسماي...فأنا أنا
كنت بيوم ما ملتقى للعشاق والمحبين ،، كانوا يمرون واسترق السمع ،، كانوا يريدون ملئ البيوت بالأطفال.. بعد الحب ، كانوا يريدون السفر لقضاء اجمل العطلات وبعدها يعودوا لوظائفهم واعمالهم ،، كانوا يخططون لمستقبل جميل ومشرق ،، كنت اغار منهم واغبطهم على ما هم عليه حينما اسمع غزل الشباب ، الغزل الجميل الرقيق واغار اكثر حين اسمع ردهن الاجمل والأرق  ،، الرد المليء بالحياء والحياة ولا سيما حين ترد احداهن وتقول ( ولك عيب ، ولك استحي ) علما انه لم يتجاوز حدوده معها غير انه قال (يكولون ماكو گيمر لعد هالگيمر منين او فدوة لهالطول الحلو او كل هالرشاقة ومتتشاقة او من لبس السواد سبى العباد)...يا إلهي ما اروعها من كلمات غزل ...

انا حديث ابطال الابطال ،، والرجال الرجال حينما يذكرون اسمي ومكاني ومكانتي حيث تحكى عندي قصص الابطال حينما يقفزون من اعلى منصتي ومن لا يعرفني ..لا داعي للحديث اكثر معه عني فانا (جسر الصرافية) ...وكفى

كنت اصحوا صباحا ( ان نمتُ ) واستمع لما تتحدث به الصحف عبر قُراءها ،، يناقشون الاخبار والمواضيع ،، كنت اصحوا على ذلك .. نعم  ..وما هي الا لحظات حتى تتسلل الى مسامعي كالهدير الناعم وكنسمات الهواء العليل صوت الرائعة فيروز اياً كان ما تغنيه فكل اغانيها قد حفظتها عن ظهر قلب ،،، رائعة انت يا فيروز ورائع ذلك الصباح الذي استمع فيه اليكِ...

كنت بعد ان اصحوا تبدأ عربات نقل البضائع تتنقل حاملة كل أنواع البضائع لتستقر بمحلات المفرد في نهاية الامر ببغداد او لتبدأ رحلة أخرى الى المحافظات الجميلة قبل ان تسقر بمحلات المفرد أيضا..وتبدأ السيارات صغيرها وكبيرها...حديثها وقديمها ...ذات الطابق وذات الطابقين بالتنقل على ظهري ...

على ذكر الطابقين...انا نسخة فريدة صممت بهذه التحفة وهذا الالق والتألق والجمال ..كنت حينها أعجوبة...واتوقع انني باق و لم ازل أعجوبة.

كم كنت اشاهد من الاناس يوميا ،، عمال ومتقاعدين وطلبة .. وما اكثر الطلبة واجملهم ،، كانوا في قمة الاناقة والرقي والثقافة .. هل لا يزالون كذلك ؟  هل ما زالوا يشتروا الكتب من تلك المكتبات الموجودة في المتنبي او شارع السعدون او باب المعظم ؟ .. هل لايزالون يقرأوا بشغف كالسابق ؟ ..هل لا تزال الشياكة في الهندام موجودة ام ذهبت واختفت ؟

اما اجمل أوقات نهاري فكان حينما تمر اجمل الجميلات وقد هممن الى ذلك الشارع الجميل والرائع (شارع النهر) ليتجهزن بكل التجهيزات من ذهب وفرشات عرس ومناشف وغيرها ،، كنت بغاية السعادة حينما اسمع الحياة بأصواتهن واسمع المستقبل بضحكاتهن ،، اسمع الجميل من حكاياتهن والحزين ،، نعم كان لهن الكثير من الحكايات الحزينة فهذه التي تزوجت رغما عنها ولم تتزوج من احبت واحبها ، وهذه التي أتى من  الحرب حبيبها أو خطيبها شهيداً ..ولم يبق منه غير ذكرى جميلة ورسالة ورقية تحتفظ بها في حقيبتها تستخرجها لتقرأ ما قد كتب فيها من اسطر عندما تشتاق إليه...تشم رائحة الرسالة ...وتقرأ.. وعندما تصل إلى السطر الأخير الذي قد كتبه ذلك الغائب الحاضر (عاشق يدافع من اجل محبوبته محبوبته واحنة مشينة لل... ) لم تستطع ان تكمل ..فبكت ..وبكيت ،، كانت تقول كيف اتجهز لعاشق وحبيب غيره وقد ضحى بروحه من أجل من احبَ (الوطن وانا) هكذا تقول.. ...والكثير الكثير من الحكايات التي لو اريد سردها سأبكي حد طوفان النهرين ...
وفجـأة .. اتى البارود الممزوج بالنار والحديد ليكسر ظهري ،، حاولت ان اتحمل واتحمل كي لا تكسر الاواصر ولكن الحديد والبارود والنار كانوا فوق طاقتي .. فكسر ظهري .. بقيت أياما ليست بالكثيرة حتى  عدت من جديد كشريان ووريد بسواعد من قيل عنهم انهم بحق أبطال ورجال

هذا ما أذكره... وغيره من الحكايات والقصص والاحداث والمشاهد حتى اتى ذلك الربيع الاحمر المغبر وتلك الأجواء المليئة بالدخان وروائح البارود والموت والتفرقة والضياع  

انقطع الناس عنى أياما...ولم يكن لي غير النهر احاكيه ولا يحاكيني او يرد علي...كان مسرعا وكأنه يريد الهروب مني أو من شيء اخر لا اعرفه ..

غفوت ، بل نمت ،، كسبات شتوي اقرب للأغماء ...

وفجأة ..شعرت بحركة ما .. لا انها حركات ..حركات أقدام واصوات لعربات دفع وعربات تجرها خيول وحمير ..واناس لا أعرفهم...

لا اعرفهم من المنطق الذي كانوا يتكلمون به ،، من الأفكار والأسلوب الرث الذي يتحاورون به بين بعضهم البعض ...

من أنتم؟ وماذا تفعلون هنا؟ اين الطيبون فلقد افتقدتهم.. وما من مجيب ولا أحد يسمع صوتي وشكواي غيري  
كانوا أناساً لا أعرفهم...وجوههم تدل عليهم.. سراق وقتلة ...نهابين وسفلة...منحطين بلا ضمير ولا ذمة...كانوا يسرقون كل شيء. حرفياً...كل شيء
بحثت علي اجد اناساً اعرفهم...اريد ان اسالهم ...اين العشاق؟...اين اللواتي يحملن أكياس تجهيزات الاعراس؟  
اين الذين كانوا يحملون كتبهم لأنقلهم ويهمون بأنفسهم الى الجامعات والمعاهد والمدارس؟
اين من يقفون ليرموا إلى النوارس الطعام؟
اين قراء الصحف ؟ اين صوتك يا فيروز الذي يملأ المكان بهجة ورومانسية ونشاط ؟.. اين والف اين وأين؟؟

لا أعرف أحدا ولا احد يعرفني ...
تعبت من الإهمال والفقد والحنين وذكريات الماضي الجميل الذي لا يكاد يفارقني كصورة بالأسود والأبيض او كصورة ملونة من كاميرا ثمانينية ..
تعبت من مشاهد مروعة لم اعرفها ...
تعبت من مشاهد لا أخلاقية منحطة تدل على أصحابها  ...
تعبت من رائحة المجهولين...وليسوا كأي مجهولين
تعبت من وضع الاثقال والاحمال والقواطع على ظهري ..تعبت منها وصارت كالعبئ على ظهري وفوق فوق طاقتي ،، مادياً ومعنوياً

  فرجعت للنهر كي اشكي إليه حالتي ومألي ..فوجدته قد لملم نفسه وحمل كرامته وانكفأ على نفسه ..و لم يرد ايضاً..
باق انا على هذا الحال ..عسى ان ارى العشاق يعودوا يوماً..
عسى أن أرى يوما من اعرفهم ويعرفونني وبرغم وجودهم الان وانا اراهم بين الحين والآخر ولكنهم القلة القليلة..
عسى أن اشم وارى واسمع الجمال بكل معانيه وصوره واشكاله مجدداً .
عسى أن لا أرى اولئك المجهولين أو أن اشم روائحهم النتنة أو أن أسمع اصواتهم النشاز ..
انا باق على حالتي وغير ذلك لا يكون الا ما هو الاصح والاصوب والاجمل والاعذب والانقى والاطهر  ..ولا انفك بالحديث إلى النهر او شقيقه الاخر
هذه مختصر حكايتي ...حكاية جسر او (حكايا جسور)...


0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري