المشكلة التاريخية للقطاع الخاص العراقي

مشاهدات
 

 
عمر سعد سلمان

 

عملت الدولة العراقية منذ عام 1952 على توسيع القطاع العام وجعله هو المسيطر على جميع المنشآت والصناعات في كافة القطاعات بعد سيطرتها على المورد النفطي الذي أتاح لها مردوداً مالياً كبيراً، مما أدى الى مزاحمة القطاع الخاص في نشاطه في ظل سيطرة الدولة المركزية على الاقتصاد التي تنبع من الأيديولوجية الاشتراكية.
كان الدولة العراقية قبل عام 1952 لا يعتمد على النفط بفعل الشروط القاسية لاتفاقيات النفط المتتالية منذ عام 1911. وكانت تعتمد على المجتمع، على الرغم من كونها المالك الأول للأرض، وقد تدبرت في تلك المرحلة 3 موارد أساسية هي (الضرائب/ الخدمات الاجتماعية/ الإنتاجية العامة)، واخيراً ريع النفط والعقارات فضلاً عن ان الاقتصاد العراقي كان يعتمد على الزراعة كأساس لحياته الاقتصادية لأنه كان اقتصاداً شبه اقطاعي، إضافة الى التجارة بشكل اقل، اذ كان القطاع الزراعي هو القطاع المنتج الرئيسي في تكوين معظم الناتج الإجمالي المحلي.
ان ريعية الاقتصاد العراقي بدأت بالوضوح بعد عام 1970 حيث ازدادت مساهمة القطاع النفطي في الناتج الإجمالي المحلي مقابل تراجع قطاعات (الزراعة/الصناعة/الخدمات) الذي اخذ دورها بالتضاؤل، لكن القطاع العام العراقي بدأ بالتراجع بدخول العراق في حرب مع ايران عام 1980، حيث بدأت زيادة في الانفاق العسكري والتسلح مما دفع الحكومة العراقية آنذاك الى تنبني الخصخصة بعد عام 1982 لغرض إعطاء القطاع الخاص دوراً اكبر في النشاط الاقتصادي عن طريق بيع بعض المعامل والانسحاب من بعض النشاطات الثانوية التي يستطيع القطاع الخاص القيام بها، كما اعيد النظر بالتصرف الاقتصادي لمنشأت القطاع الاشتراكي في ضوء حسابات الكلفة والمردود الربحي.
اذ بدأت بوادر التراجع الحكومي عن بعض السياسات التي استهدفتها عمليات الإصلاح الزراعي في ستينات وسبعينات القرن الماضي، فتقلصت المزارع التعاونية والجمعيات التعاونية، وفي عام 1983 تم تشريع قانون رقم 35 الذي سمع للعراقيين والعرب استئجار الأراضي الزراعية الحكومية لمدة خمس الى عشرين سنة دون ان يحدد ذلك القانون حداً اعلى للمساحات المؤجرة، فقد تحول الاهتمام من العدالة في توزيع الأرض الى الكفاءة وزيادة الإنتاج، وفي مرحلة لاحقة تم التخلص من المزارع والمشاريع الزراعية ببيعها الى القطاع الخاص، ونتيجة هذه السياسات لم يبق بيد الدولة مطلع العام 1989 سوى 1% من الأراضي الزراعية، واصبح 53% منها قطاع خاص و46% مؤجرة للقطاع الخاص.
ان موجات التحول نحو القطاع الخاص تولدت في العراق بفعل ظروف الحرب والأزمات التي مرت بالعراق في تلك المدة، فضلاً عن رغبة الدولة بتعزيز مسار القطاع الخاص بما يخدم ظروف العراق التي تولدت بفعل الحرب، فقد استنزفت الحرب احتياطات العراق من العملات الأجنبية، وتراجع الناتج في ظل معدلات تضخم عالية وتوسع القوات المسلحة، كما تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي وتغيرت مسالك التجارة الخارجية، كما تعمقت مشكلة النقص في الايدي العاملة والمهارات والتخصصات نتيجة عسكرة المجتمع، كما أدى تقليص الانفاق الاستثماري وتزايد السكان والهجرة من الريف الى المدينة الى تبرير الاعتماد بشكل كبير على استيراد المواد الغذائية والاستهلاكية. واتبعت الدولة مسارين لتحقيق عملية الخصخصة الأول: تحويل القطاع العام الى القطاع الخاص عن طريق البيع، والثاني توفير مساحة للقطاع الخاص للعمل فيها وان كان القطاع العام عامل فيها.
لم تحقق الإجراءات التي اتخذها النظام السابق في تشجيع القطاع الخاص هدفها لأخذ جانب كبير له في الاقتصاد العراقي ذلك نتيجة لانعدام الثقة بالدولة، اذ يمكن القول ان القطاع الخاص كان يعتمد بشكل كبير على ما تقدمه الدولة من عون في مجالات الإعفاءات الضريبية والجمركية، دون ان يأخذ هذا القطاع على عاتقه العمل والمجازفة في كثير من المجالات، فضلاً عن ان القطاع الخاص قد ابتعد عن الاستثمارات طويلة الاجل واتجه نحو المجال الخدمي والتجاري، كما انه كان يحتفظ بفوائضه المالية خارج العراق لعدم الاطمئنان للنظام السابق، كما ان تمويل مشروعاته كان معتمداً على الاقتراض، دون ان تكون سياسة لاستثمار المدخرات الفردية.
    بعد عام 1990 طبق على العراق حصار اقتصادي نتيجة قيام النظام السابق بغزو الكويت مما أنهك القطاع العام وجعله في وضع سيء، وبالتالي توجه النظام الى تشجيع القطاع الخاص عبر سلسلة من الإجراءات لكي يقوم بدوراً تعويضياً ومساعداً في توفير الخدمات والسلع الأساسية فقام بتعديل قانون البنك المركزي العراقي عام 1991 للسماح بتأسيس مصارف خاصة والتي وصلت الى 16 مصرفاً عام 2000 والتي استحوذت على 18.6% من القطاع المصرفي العراقي،  كما تم تأسيس سوق بغداد للأوراق المالية الذي باشر بالعمل أواخر اذار 1992 لغرض استقطاب مدخرات الافراد وتوجيهها نحو الاستثمار بوصفه سوقاً قانونية فيها 104 شركة مساهمة، وقد شهد السوق انهيارً عام 2001 اذ انخفضت القيمة السوقية للأسهم من (591.2) مليار دينار عام 2000 الى 495.2 مليار دينار عام 2001.  كما صدر قانون الشركات الخاصة والمختلطة رقم (21) لسنة 1997. ان ما تجد الإشارة اليه هو ان النظام العراقي السابق قد عمل بشكل او بآخر على جعل القطاع الخاص مرتبطاً به ليكون اسيراً لتوجهاته، ففي نهاية عقد الثمانينات أعطت السلطة مجالاً لآلية السوق بما سمح بنمو القطاع الخاص، دون ان يتمكن من خلق طبقة مستقلة عن السلطة التي استمرت بمراقبتها له، حتى وصل الامر ذروته مطلع التسعينات عندما وجدت الدولة ان عليها مواجهة هذه الطبقة وسحقها واخضاعها نهائياً لسلطته ، وتبلورت هذه المواجهة بإعدام التجار، وفي الوقت نفسه حاول النظام العراقي خلق طبقة خاصة به، من افراد يرتبطون بعلاقات قرابة مع رموز السلطة.

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري