قراءة في القصة القصيرة جدا الموسومة ( المصير ) للقاص فرج ياسين

مشاهدات



د.باسل مولود يوسف التكريتي 

 

وإذ لا أدعي اتباعي لمنهج معين فإن ميلي للمنهج الجمالي واضح  وعلى هذا سأبدأ تحليلي عسى أن يكون مفيدًا،اقول 

كعادته فرج ياسين قدمه بلغة بالغة الإختزال والتقشف، مع تمام صورها البلاغية البعيدة عن الترهل، وحبكة متناهية متراصة في أحداثها ، تتأزم جداً حتى لحظة التنوير.اما الخيال لدى الكاتب  يتناغم مع واقع  بطل القصة ، وهو يبحث عن مصيره تاركا تاريخه مطويا بين السطور وسط هذا السجل الذي بيمنه،  ليأخذنا معه الى حيثيات مصيره ،تعاطفنا مع القصة ،وشدنا  بقوة إليها.لنعرف إلى اي شيء سيؤؤل ذلك المصير .

عتبة العنوان

عنوان  (المصير)والمراد بها هنا مَجْموع الحَوادِث الطَّارئة أو غير الطَّارئة الَّتي تؤلِّف حياة بطل القصة  والَّتي تُعْتبَر ناتجةً من أَسباب خارِجة عن إرادته.نقلنا عنوانه الى  فضاءات واسعة من الشد والتشويق لعناصره الأبداعية؛ التي تتجلى واضحة لكاتب  مثل فرج ياسين خاض تجربة السرد في جنس القصة القصيرة جداً بمهنية تبهر اي ناقد وكاتب ، ناتجة عن خبرته المتراكمة،  قدم عنوان مبتعداً عن الترهل اللغوي وهو يختزل بقوة  العمر وصفحاته واحداثه معتمداً التكثيف السردي للحدث،والاشتغال على معطيات التأويل باقتضاب شديد ، وبوعي متكامل جعل من عنوان نصه مدلولات متحركة داخل النص، مثل عنصراً رئيساً،وتبشريا دقيقا دون اسهاب واطالة.

الاستهلال

اما الاستهلال للقصة والذي قدمه الكاتب (كنتُ تلميذا في الصف الخامس الابتدائي , حملتُ ذات عصرٍ ربيعي كتابَ التاريخ ، وذهبتُ للمطالعة خلف سور المدينة )هذا النوع من الاستهلال يسمى  استهلال سياقي عمل على إثارة انتباه القارئ نحو جوهر الحكاية ومركز تبئيرها السردي،

 فضلاً عن إشاعة مناخ الحكي منذ بداية الحكاية حدد الزمان والمكان ، وهنا اعطي القصة بعداً حركياً مغري بالمتابعة والتوغل في أعماق السرد، وهنا الكاتب قدم النص بصيغة الراوي كلّي العلم، وقد ركز من خلاله على الشخصية والمتمثلة بطالب في الصف الخامس الابتدائي يستشرف على المستقبل  ،المكان خلف سور المدينة وقبل غروب الشمس  ،في الخمسينات من القرن المنصرم وحددعلاقته بالمكان والأشياء المحيطة  به لينتهي بالحدث السردي.

قدم الكاتب للحدث  القصصي طريقة عرض قدم من خلالها الأحداث ،وكما يلي (وبيْنَا كنتُ أخطو ببطءٍ شديد , أحتضنُ الكتاب وعيني على السطور 

و هذا النسيج يتمثل بالسرد و الوصف و الحوار، و السرد هنا واضح  كان يسير بخطى بطيئة جدا احتضن الكتاب وعينه على سطوره، كلها تمهيدات سردية،للدخول الى الحدث  والذي مثل   طريقة تقديم الحدث و ارتباط الأحداث و تتاليها،يتنامى الحدث هنا عند سقوط قُبّرةٌ ترابيّة اللون  بين قدميه ،لحظة اشتغال الكاتب بالوصف الذي قدم بدوره السمات الخارجية و الداخلية للزمان و المكان و الشخصيات الرمز المستخدم هو  قُبّرةٌ....غير قادرة على الطيران او انها مصابة أو مريضة ، كان  السرد و الوصف رائعان لدى الكاتب في ظاهر النص وهما أساسان مهمان من أسس بناء نسيج هذا النص ، بينما مثل السرد فيه أيضا أساسًا هامًّا وكان  السرد لنصنا هذا محل البحث وجيز قصير وهو مؤشر ايجابي ،وهذه مهارة معروفة للكاتب وهو يدرك ان القصة القصيرة جدا لاتحتمل الإطالة و التمطيط،يقول الكاتب  (   لكنني حين انحنيتُ محاولا الإمساك بها قفزتْ مبتعدة وهي تَصْفر , ثم رأيتها وهي تفردُ جناحيها وتطيرُ مسافةَ ثلاثةِ أمتار أو أكثر .

أغلقتُ كتابي وجعلت أطاردُها , ولم افطنْ إلى أنها كانت تخاتلني بالطيران والهبوط المتكرر إلا بعد مرورِ وقتٍ طويل)

وانا اتابع السرد هنا و جدته وجيزا دقيقا  علامته الفارقة   متوازنة مثلت جزءًا مهمًّا من نسيج القصة ، فضلا عن ميزته   الواضحة والجلية هي التكثيف و التركيز و الإضمار و المفارقة، و ذلك من خلال الاعتماد على فعلية الجملة القصصية.التي استخدمها الكاتبة مثل (كنت ،حملت،ذهبت،اخطو،احتضن،انحنيت،اطارد )

كان الحوار جزءًا من السرد و ليس دخيلًا عليه في جمل النص وكان السرد  وسيلةً لعرض الحدث لا غايةً له…ان النظرة المستقبلية او المصير كما سماها الكاتب بدأت من  اللحظة التي خرج فيها الراوي ان جاز لنا التعبير  من طفولته الاعتمادية على والديه إلى العالم، فواجهه بشكل مستقل بصورة تكشف له عن عجزه المبدئي أمام ظروف العالم الخارجي حتى ينزع إلى الاستقلال وهذا مااشار اليه النص  وهو عمر (11) سنة ، وهو مايراه علماء النفس  أن في هذا السن المبكر تيدأ الاضطرابات النفسية، ومنها القلق، تنشأ نتيجة لفشل في نمو الأنا نموًا طبيعيًا، وحينها يتعثر المرء في حل أزمات النمو -في مراحله المبكرة- بصورة إيجابية.إذ يرى اساتذة علم النفسية وجهًا لإحدى صورتين، تستمران مع الفرد في جميع مراحل حياته، وهما خوف الحياة وخوف المستقبل ومايضمره المستقبل. فيتمثل خوف الحياة في القلق من التقدم والاستقلال الفردي، بينما يظهر خوف المصير  في القلق من التأخر وفقدان الفردية ،

القفلة

 في هذه القصة (مُنذ ذلك اليوم وانأ أطاردُ تلك القُبّرة العنود ، محاولاً الإمساك بها ؛ ولكن من دون جدوى !)بهذه النهاية انتهت القصة وبترميزها العالي ..ينبأنا بان المصير المجهول تنبأت به منذ نعومة اضافري  

كانت هذه الخاتمة  على درجة عالية من التّكثيف ، و الرّمز ، و الحذف والإضمار ،اضافت  جمالية دلالية على النّص ، لما كتنزهته من معنى.ـ أتت على نسق بلاغي اضفى مسحة فنية على النص ..

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري