من يشتري تذاكر اليانصيب؟

مشاهدات



عمر سعد سلمان 


ينفق معظم الناس على تذاكر اليانصيب أكثر من الانفاق على أمور قد تكون اهم منها، ومن خلال متابعة البيانات الإحصائية في الولايات المتحدة تم رصد ظاهرة اقبال معظم الفقراء على دفع 412 دولار سنوياً على تذاكر اليانصيب، أي أربعة اضعاف ما تنفقه الفئات الأعلى دخلاً على اليانصيب. 

لا يستطيع 40% من الأمريكيين دفع 400 دولار في حالة الطوارئ، وهذا يعني ان أولئك الذين يشترون تذاكر اليانصيب بـ 400 دولار هم الأشخاص نفسهم الذين يقولون انهم لا يستطيعون الحصول عليها في حالات الطوارئ. انهم يضحون بقارب نجاتهم مقابل احتمال واحد من بين ملايين الاحتمالات لربح اليانصيب. 

يبدو هذا جنوناً من وجهة نظري، وربما هو كذلك من وجهة نظرك ايضاً، لكنني لست من فئة الدخل المنخفض، والمحتمل الا تكون كذلك، لذلك يصعب على الكثرين منا فهم المنطق اللاواعي لمشتري تذاكر اليانصيب ذوي الدخل المنخفض. لكن دعنا نتخيل ان وضعنا مختلف حيث: نعيش بفضل مرتب شهري نتقاضاه اول كل شهر، ويبدو ان الادخار بعيد المنال ويبدو ان آفاقنا للحصول على أجور اعلى بعيدة المنال هي الأخرى، لا يمكننا تحمل تكلفة اجازات لطيفة او سيارات جديدة او تأمين صحي او منازل مشمسة في احياء آمنة. لا يمكننا ارسال أولادنا الى الجامعة دون ان تترتب علينا ديون طائلة. أنتم يا من تقرؤون الكتب المالية، اما لديكم مثل هذه الأمور او تملكون فرصة جيدة للحصول عليها، اما نحن فلا نملك ترف التفكير فيها، وشراء تذكرة يا نصيب هو الامر الوحيد في حياتنا الذي يجعلنا نتمتع بحلم الحصول على الأمور التي لديكم، التي تتعاملون معها كمسلمات في حياتكم، ندفع مالنا مقابل حلم. قد لا تفهم ذلك لأنك تعيش الحلم، ولهذا نشتري تذاكر أكثر منك بكثير. 

ليس عليك الموافقة على هذا المنطق، اذ لا تزال فكرة شراء تذاكر يا نصيب في حالة الإفلاس فكرة سيئة، لكنني قادر على فهم سبب استمرار مبيعات تذاكر اللوتو واليانصيب. اذاً يمكننا ان نفكر كما يلي: (ان ما تفعله يبدو جنوناً من وجهة نظري لكنني اتفهم ما يدفعك الى فعله)، وهذه الفكرة تكشف عن جذور العديد من قراراتنا المالية، وعلينا ان نعي ان قلة من الناس تتخذ قراراتها المالية اعتماداً على جدول بيانات، حيث يفعلون ذلك على مائدة العشاء او في اجتماع الشركة. وان العديد من العوامل تؤثر في نظرتنا المالية وقراراتنا المتعلقة بالمال، حيث تتداخل التجارب الشخصية مع أفكار المرء واناه وكبريائه، وأثر الإعلانات فيه، والحوافز التي تحركه. 

وعموماً جميعنا نسلك سلوكيات مجنونة عندما يتعلق الامر بالمال لأننا جميعاً حديثو العهد في هذه اللعبة، وما يبدو لك جنوناً قد يكون منطقياً لي. لكن لا أحد مجنون لأننا نتخذ قرارات بناء على تجاربنا الشخصية الفريدة، وتبدو قراراتنا في لحظتها منطقية تماماً لنا.

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري