الدمية ثروة

مشاهدات



فائزة محمد علي فدعم 


ارتفع صوت البلبل من اذاعة بغداد وهو موعد استيقاظ العائلة . اما الوالد فكان قد استلم صحيفته اليومية بعد ان انهى صلاة الفجر في الجامع المقابل لبيتنا وعند عودته جلب معه الخبز والقيمر من بائعته المشهورة  )بسّية ) التي كانت تجلس على القنطرة والى جانبها بائعة الخبز الشهي . كنا نستمع الى تلاوة القرآن والوالدة تعدُ الفطور ونحن نشعر بنسيم الصباح العليل الذي يهبُّ علينا من نهر خريسان لان أبي ترك باب البيت مفتوحا ولكنه اسندها بقطعة من الطابوق كعادته . عند ذاك سمعنا طرقا على الباب فانتبهت الوالدة وذهبت بعد ان اشار لها بذلك والدي لأنها كانت تنظف الرز من الشوائب والحصى الصغيرة كما هو حال جميع ربات البيوت آنذاك . تبعتها كالعادة لأعرف مايدور فشاهدنا امرأة طويلة القامة يُغطي وجهها النقاب فرفعته والقت علينا السلام فبدت وكأنها القمر . سألت عن والدي وقالت : هل يمكنني مقابلته لأمر هام ؟ ... فأومأت والدتي رأسها بالإيجاب وادخلتها البيت ونادت عليه فترك الصحيفة على المنضدة ورفع صوته بالسلام وطرق باب غرفة الضيوف كي تستعد لمقابلته فغطت وجهها فدخل .  

كان في كفها منديل ملفوف بعناية فبانت يدها كالمرمر من شدة بياض بشرتها وقالت سمعت ياحاج انك ستسافر الى لبنان وانا فلانة بنت فلان فعرفها على الفور ورحب بها كثيرا علما انها من عائلة مُحترمة في المدينة وقد مرض زوجها بالتدرن فأرسله والده للعلاج وكثيرا من الجيران كانوا يعملون نفس الشيء . كان مرض السل الرئوي منتشرا في بداية الاربعينات ونهاية الخمسينات وقد احرق الاخضر واليابس وكان الميسورين يُرسلون مرضاهُم الى لبنان للعلاج بسبب الجو الصافي والمُستشفيات الجيدة والهواء العليل وتقدم الطب . 

اما الفقراء فكان مصيرهم اما مستشفى (التويثة ) او مستشفى العزل التي كانت دون المستوى المطلوب لعلاج هذا المرض الخطير الذي انتشر بسبب سوء التغذية والسكن في الصرائف وردائة التهوية وكان الموت هو نهاية المطاف لأكثرهم وللأسف ان المرض من الخطورة بحيث يكتمون سره ولايعلنون عنه كانه جريمة او ذنب اقترفه المسكين ويحجرون المصاب في البيت مع المعاناة الشديدة حتى يصل الى اسواء حال واتذكر كان هناك ثلاثة من اسر المرضى الذين يعالجون في لبنان يرسلون المبالغ بيد والدي الى مرضاهم في سفراته ولأجل مساعدتهم كان يقتني حقيبة كبيرة من الورق المقوى التي كان استعمالها سائدا آنذاك وهي مُغلفة بقماش ( ستن ) وقبل السفر بيومين يفتح الغطاء كاملا بحذر شديد بعد تحويل النقود الى ليرات ولصقها على جوانبه وبعد اكمال المهمة يُعيده كما كان . كان يُردد ان هذه امانة واذا وجدها مفتش الجمارك فلن تصل الى اصحابها وهذا يعني حرمانهم من العلاج . 

في يوم السفر يودعه اهلنا وعوائل المرضى ويوصونه بإلحاح شديد ويدعون له بالموفقية لكونه همزة الوصل الوحيدة بينهم وبين مرضاهم وبعد عودته من سفرته الاخيرة قرر بناء دار جديدة في املاكه على نهر خريسان قبل تعديله كان يطلق عليه ( القصر ) وقتذاك وخلالها كان والدي يُراقب انجاز العمل بدقة واتقان ويأخذني معه لأشاهد مراحل البناء وفي هذه الاثناء تعرفت على فتاة صغيرة وديعة يقع دارهم في الدربونة المقابلة لأملاك والدي وقد كانت في مثل سني تقريبا وهي هزيلة البنية يثق والدي بعائلتها فهم ناس طيبي الاخلاق . 

توطدت صداقتي بها وقد ادمنت مرافقته من اجل ان التقيها وتعلمت منها كيف تصنع الدمية من الاقمشة القديمة وكانت والدتها الطيبة تقوم بصنعها وحشوها بالقطن او قطع القماش القديمة ورأسها من غطاء السيفون الملفوف بقماش ابيض وفيه عصا تدخلها في جسم الدمية وتخيطها بقماش لتصبح جميلة بعد ان ترسم العين والانف والفم . 

من منا في تلك الفترة لم تصنع مثل هذه الدمية المحببة للقلوب ؟ 

تمسكت بها وتركت الدمى الحقيقية التي كانوا يجلبوها من بغداد واطلقت على دميتي التي صنعتها والدة صديقتي اسم ) ثروة ) وهو اسم اعجبني لغرابته وقد اعتدت الذهاب كل يوم وبيدي علاگة من خوص سعف النخيل احملها وانا فخورة ان فيها الدمية القطنية وملابسها الصغيرة وتختة مصنوعة من الكارتون الملفوف وحولها الخيوط وفيها ابرة وكنت اضع فيها المأكولات والحلوى وكنا نتبادل الطعام انا وصديقتي واحيانا نشتري بيض اللقلق الذي يدفع والدي ثمنه وهو اربع فلوس لكل واحدة منا فيتقدم الينا البائع وهو يحمل سلة مخروطية الشكل من الاعواد المغلفة بالتول المتدلي على اطرافها لحفظ البضاعة .

 كان بيض اللقلق ألوانه الزاهية هي الاصفر والاحمر والاخضر والابيض . امسكت القطعة الاولى بشدة فذابت في يدى فضحك والدي لهذا المنظر ولكنني التهمتها بسرعة وكذاك الامر بالنسبة لصديقتي وبعد اشهر ونحن على هذه الحال صادف التوقف عن البناء بسبب انشغال والدي بأعمال اخرى وبعد اتمامه اشغاله عاد لمواصلة بناء قصر المستقبل وقد كنت فرحة جدا لأنني كل يوم اذهب الى لقاء صديقتي وكالعادة اخذت معي المستلزمات الكاملة وبحثت عنها فلم اجدها في الشارع كما كان يحدث فيما مضى لأنها كانت تجلس عند عتبة الباب مقابل الشمس ولكني فوجئتُ بان الباب كان مقفلا بقفل كبير . نظرت الى والدي وانا فزعة مما اضطره الى سؤال الجيران عنهم فأجابوه بان الطفلة قد توفيت بعد اصابتها بمرض التدرن الرئوي فحزن وصعقت انا لهول الخبر وانفجرت بالبكاء ودموعي تنهمر بغزارة فاحتضنني وطيب خاطري وقال لي سنراها لاحقا . 

اصبت بالإحباط وعانيت وتألمت لفراقها واصبحت هزيلة وانا انظر كل يوم الى الدمية القطنية واتذكر اني قضيت معها اجمل ايام الطفولة فشعر الاهل والاقارب بمصيبتي ولهذا كانوا يقدمون لي اجمل الهدايا وكانت والدتي تتحايل علي لأنسى ما مررت به وتدعوا صديقاتي الى بيتنا لعلّي انسى ذكرى تلك الايام الجميلة وبعد ان شاهدوا تدني وضعي الصحي اضطروا الى اخذي الى طبيب الامراض الصدرية المختص لعمل اشعة للتأكد من سلامتي وكانت النتيجة خلوّي من اي مرض ففرح والدي وهنا تذكرت ان صديقتي الهزيلة الصغيرة كان اهلها من الفقراء المعدمين ولهذا لم يستطيعوا علاجها ولا زلت اتذكر جمال عينيها وبرائتها وكنت كلما رأيت لوازم الخياطة والدمية والعلاگة ينتابني شعور باني سأراها يوما من الايام ...

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري