الاستراتيجية العسكرية وإعداد الدولة للتخطيط والدفاع نحو مقاربة شاملة.

مشاهدات



الدكتورة جعفر صبرينة


مختصة في شؤون الامن و سياسيات الدفاع - الجزائر


أن إعداد الدولة للتخطيط الاستراتيجي يعد من الأهمية البالغة في الاستراتيجية العسكرية لأي دولة ، وذلك راجع لتداخل الاستراتيجية مع السياسة والتخطيط، وتحظى الاستراتيجية العسكرية بأهمية بالغة تنبع هذه الأهمية من خلال الدور الرئيسي الذي تشكله الاستراتيجية في تحقيق الأهداف المرجوة بأقل قدر ممكن من الوقت والجهد والموارد، كما يؤكد أندريه بوفر بأنها ليست مجرد رياضة عقلية تنطوي على الغرور وإنما هي نمط من التفكير برغم من تعقيده إلى أنه يجب أن يكون مرشد عملي لتحقيق غايات السياسة على خير وجه لتفادي الأخطار الجسيمة التي يظهر لنا التاريخ الحديث أمثلة عديدة منها. 


البحث في أصول الاستراتيجية العسكرية.


إن عملية البحـث في مصطلح الاستراتيجية العسكرية ينتـقل بنا إلى خمس مئة سنة قبل الميلاد أيـن أٌلِف أول كتاب عـن الاستراتيجية العـسكرية من قِبل الفـيلسـوف العسـكري الصيني سون تسو، الذي كان عنوانه "فن الحرب"، ويعد من أهم المخطوطات القديمة في التاريخ العسكري، ولقد اعتبر هذا الكتاب بمثابة الكتاب المقدس للدراسات العسكرية، هذا راجع إلى فاعلية المبادئ التكتيكية والأفكار الفلسفية التي تدور حول طرق كسب الحرب، وتحقيق النصر في أرض المعركة من جهة، ومن جهة أخرى، صلاحية هذه الأفكار والتي لازالت تستخدم حتى في الحروب الحديثة ، وهذا ما يجعل من هذا الكتاب مصدر رئيسي لباقي الكتابات في مجال الاستراتيجية العسكرية و في هذا المجال يقول يقول سون تسو:" الحيلة أساس فن الحرب، لذا ينبغي التظاهر بالعجز عندما تتوفر القدرة على الهجوم، و التظاهر بعدم العمل، عند الرغبة في استخدام الجيوش، وإقـناع العدو بأننا بعيدون عندما نكون على مقربة منه، وبأننا قريبون عندما نكون بعيدون عنه، واستخدموا الفخ لجذب العدو".   


وهنا لا يستخدم سون تسو مصطلح الاستراتيجية العسكرية بصفة مباشرة، ولكن نجد بأن مضامين ومعاني هذا المصطلح قد رسخت في مجموعة النصائح التي قدمها للقـائد العسكري قبل خوض المعـركة، وبذلك يمكن أن تكون الاستراتيجية العسكرية فن كما هي علم، وذلك أثناء تطبيقها وممارستها عمليا فالتخطيط العسكري يفرض معرفة الكثير نظريا من أجل الحصول على القليل عمليا، إنها حقيقة أبدية كما يقول الاستراتيجي الصيني سان تسو: "إن الأكثر تميزا من القادة هؤلاء هو الأكثر حكمة  الأكثر استشرافا ورؤية.  

 إن المعطيات النظرية والرؤية الاستشرافية ضرورية لحساب تكلفة الحرب، وما قد تستهلكه من وقت ومن موارد، وبالتالي فهذه النقطة بالنسبة لــسون تسو تعد من العناصر المهمة في وضع الاستراتيجية العسكرية وعليه فإنه يجب الأخذ بعين الاعتبار تكلفة خوض الحرب، "فإذا طال أمد حملتك العسكرية فإن موارد الدولة لن تواكب النفقات العسكرية".  وعليه فوضع الخطط الحربية الناجحة ليس غايته التفوق والانتصار في جميع المعارك، وهذا يظهر خاصة إذا ما قمنا بحساب الخسائر المادية والبشرية للحرب.

 بالرغم من الأهمية البالغة لأفكار سان تسو حول الاستراتيجية العسكرية، إلا انه من الناحية العملية في هذه المرحلة لم تتضح المعالم الأساسية للاستراتيجية العسكرية كمفهوم قائم بذاته في العلوم الحربية والعسكرية، وبقيت كتابات سان تسو عبارة عن نصائح عامة مفيدة للقائد العسكري حول طريقة وأسلوب كسب الحرب ولم يقدم تعريفاً واضحاً حول الاستراتيجية العسكرية كمفهوم له حدوده المعرفية والعلمية ، وعلينا أن ندرك علاوة على ذلك أن القدرة الحربية تمثل احد أهم العوامل التي نجدها ضمن الاستراتيجية العليا للدولة، ويقـر ليدل هارت بأن "...هناك الاستراتيجية البحتة أو العسكرية، التي تكون على أرض المعركة وهي عبارة عن تشابك يصعب معه إيجاد حدود العلاقة بينها وبين التكتيك، ومن الصعوبة بما كان تقدير لحظة انتهاء الحركة الاستراتيجية وابتداء الحركة التكتيكية، ولكن الاستراتيجية تسعى إلى الإقلال من المعارك إذا أمكن ذلك .

و تتبنى الدولة عقيدة عسكرية معينة تماشياً مع التحديات والقضايا التي تواجهها، وهذا ما يفسر وجود الكثير من المدارس الحربية، والعقيدة العسكرية للدولة هي مجموعة الأفكار والآراء والاعتقادات والمبادئ الثابتة التي تشكل نظاماً فكرياً لمسألة الأمن في الدولة ويمكن أن تأخذ هذه العقيدة نظاماً فكرياً يعرف بالتجانس والتناغم تعتمده القوى الفاعلة ونافذة في المجال الأمني لأجل تفسير واقع معين ، إن هذا الثبات في العقيدة العسكرية يجعل منها محل اختلاف واضح عن الاستراتيجية العسكرية التي تعرف بالتغير تماشياً والظروف والتطورات والمستجدات التي تمر بها الدولة .

تعتبر العقيدة العسكرية تعبيراً للأفكار ووجهات النظر والقواعد المتعلقة بمسائل التقدير السياسي للحرب المقبلة، ونظرة الدولة للحرب، وتحديد طبيعة الحرب المقبلة، وإعداد البلاد للحرب من النواحي الاقتصادية والمعنوية، والمتعلقة بمسائل بناء القوات المسلحة وتحضيرها وأساليب خوض الحرب التي تتبناها الدولة، وعلى ضوء هذه العقيدة العسكرية تتضح القواعد الأساسية للاستراتيجية العسكرية لدولة ما، أي أن الاستراتيجية العسكرية هي وليدة العقيدة العسكرية .


  -الاستراتيجية العسكرية والتكتيك العسكري: التكتيك العسكري هو ذلك العلم والفن الذي يهتم بتنظيم القوة العسكرية، فيهتم التكتيك العسكري بجمع وتنظيم الأسلحة والوحدات العسكرية، ويهدف أساساً إلى هزيمة العدو وتحقيق النصر على أرض المعركة، ويمكن بهذا الوصف اختبار التكتيك العسكري في نهاية كل معركة، ولقد تساءل كلاوزفيتش عن مصدر نجاح التكتيكات العسكرية وتحقيق النصر الحاسم في المعارك هل هو نتاج الخبرات التاريخية المتراكمة أم أنها وليدة التفكير المجرد؟  وإن الإجابة عن هذا التساؤل بحسبه تكمن في المزاوجة بين المعايير النظرية والخبرة العملية.

 يهدف التكتيك العسكري أساساً إلى تحقيق النصر على ارض المعركة وبالرجوع إلى هذه النقطة نكتشف محل الاختلاف الجوهري بين التكتيك العسكري وبين الاستراتيجية العسكرية التي لا تقف عند معركة واحدة فحسب بل تهتم بالحرب بصفة عامة فأفضل استراتيجية عسكرية بحسب سان تسو هي كسب الحرب بدون خوض المعارك إن أمكن ذلك .

إن الاستراتيجية العسكرية تهتم –إضافة إلى الجانب العسكري- بالسياقات والظروف والإمكانات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية والثقافية التي يشهدها البلد، بينما ينحصر التكتيك في الاهتمام بدراسة الخطط الحربية وطريقة تقسيم الجيش وغيرها من الوسائط العسكرية لتحقيق النصر في المعركة.


 مرتكزات بناء الاستراتيجية وإعداد الدولة للدفاع.


يقول كولن غراي بأن "الاستراتيجية تتميز بطبيعة معقدة ووظيفة لا تتغير عبر القرون" فالاستراتيجية تهدف دائما لخدمة المصلحة القومية للدولة، ولأجل تحقيق هذا الهدف تستخدم أفضل  ما لديها من قدرات وأدوات القوة في بيئة قد تتسم بدرجات كبير من التعقيد والتقلب والغموض، وتعد البيئة الدولية والمحلية تجسيداً فعلياً لهذه العلاقة الدياليكتية التي تفرض خيارات عقلانية وغير عقلانية كجزء من المنظومة الاستراتيجية أضافة إلى عوامل أخرى كالثقافة والجغرافيا والطبيعة والحلفاء والمنافسون ...الخ، وعلى هذا الأساس فإن الاستراتيجية تتميز بمجموعة واسعة من المنطلقات والمحددات يمكن ذكر أهمها في النقاط الآتية:


-الاستباقية: تتميز الاستراتيجية بالطابع الاستباقي  التوقعي المبني على الافتراضات والإمكانات لأجل ضمان المصالح الوطنية مستقبلاً .

-الاستراتيجية تعتمد على منظور كلي وتحليل شامل للبيئة الاستراتيجية، فهي تشمل الوسائل وأساليب العمل الاستراتيجي وتكيفها مع الموارد المتاحة والممكنة انسجاماً مع الهدف المنشود .


و تعد ترتبط عملية التخطيط الاستراتيجي العسكري وإعداد الدولة للدفاع باستراتيجية طويلة المدى تتطلب التكامل السلس للعديد من العناصر الوطنية إضافة إلى التحضير العسكري ترتبط أيضاً بقضايا الدبلوماسية، والمعلومات، والاقتصاد، والمالية، والاستخبارات، وإنفاذ القانون  وهذا علاوة على  المجالات الجغرافية وحتى الثقافية والحضارية، ويُجمع الكثير من المفكرين من أمثال كلاوزفيتش وليدل هارت على أن الاستراتيجية العسكرية تسعى لخدمة أهداف السياسة، وبالتالي فانسجام الاستراتيجية العسكرية مع التوجه العقائدي للدولة ومقوماتها وقدراتها ووضوح فلسفتها وقيمها ، وكلما أدى ذلك بناء استراتيجية عسكرية متوازنة والعكس بالعكس .


وتتوقف نوعية موارد الدولة في بنائها للاستراتيجية العسكرية على نوعية إدراكها لشكل ونوعية التهديد وتحديدها للتهديدات المحتملة أو التهديدات الفعلية المحدقة بها، وذلك من خلال تصنيفها لنوعية التهديد من حيث التوقيت ودرجة الخطورة (خطر وشيك، خطر متوقع، خطر ممكن وخطر مستبعد أو خطر جداً، وخطر أو خطر مقلق وأقل خطورة(، ويلعب عامل إدراك الدولة لنوعية وشكل التهديد دوراً هاماً في البناء العام للاستراتيجية العسكرية، الأمر الذي يؤثر بشكل مباشر على نوعية التسلح وإعداد القوات البرية والجوية والبحرية، وتتأثر الاستراتيجية العسكرية في الدولة بشكل مباشر بميزانية الإنفاق العسكري وحجم القوى البشرية وبنيتها العمرية والتعليمية وتوزيعها وحجم قوات الاحتياط من حرس وطني أو ميليشيات إضافة إلى مدى التحكم في العامل التكنولوجي ولاستخباراتي.


و في هذا الاطار تعد نظرية المباريات من أهم النظريات التي يتم استخدامها في القوات المسلحة، وتستعمل هذه النظرية كأداة للمحاكاة والتدريب على إدارة المعارك في مسرح العمليات، وبالرغم من أن توقع سلوك الطرف المعادي مهمة جد معقدة، إلاّ أن نظرية الألعاب تفرض على اللاعب أن يتوقع ويدرس أكثر تحركات العدو احتمالاً للحدوث في حالتي الهجوم والدفاع، وذلك لأن عملية التنبؤ وتوقُع تحركات العدو تتطلب معرفة شبه كاملة لهذا الخصم، وبالتالي فإن الأمر يستلزم جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات حول المنافس كمعرفة سلوكياته السابقة في المواقف المماثلة، ومن المهم أيضاً التعرف على الحجم الحقيقي لإمكانات الخصم المادية والبشرية والعسكرية، وهذا علاوة على التعرف على طبيعة مسرح العمليات والأوضاع التضاريسية والجوية، وإن عملية جمع المعلومات وتحليلها تتطلب قادة أكفاء في التفكير الاستراتيجي لهم القدرة على استدلال المواقف السابقة واستقراء شبه دقيق لما يمكن أن يحدث في المستقبل، وذلك لكون هؤلاء القادة يتمتعون بسرعة البديهة وقوة الربط بين المواقف والأحداث لأجل التكيف والتأقلم المناسب مع مستجدات اللعبة.


إن الحروب والنزاعات المسلحة كانت دائماً محل اختبار للقادة العسكريين والمخططين الاستراتيجيين لإدارة مختلف مراحل النزاع المسلح، وذلك يستلزم الاعتماد على الذكاء الفطري وتسخير الإمكانات المادية والبشرية اللازمة وممارستها في أوقات السلم في يطلق عليه باسم لعبة الحرب فلعبة الحرب هي عبارة تمرين حربي بمثابة محاكاة يتمكن من خلاله القادة وهيئات الأركان من اختبار مخططاتهم العملياتية واللوجيستية ضد خصم تتشابه قدراته بما يتوقع أن يكون عليه العدو الحقيقي في حالة الحرب، وتطبيق الخطط والأفكار والتقنيات الجديدة، ويعد التطبيق العملي  لمبادئ نظرية المباريات أمراً بالغ الأهمية بالنسبة للاعبين الحربيين كونها تساعدهم في تقويم الاستراتيجيات المختلفة لكافة الأطراف ، وذلك على غرار اختبار مدى الاستجابة في اتخاذ القرارات الحاسمة للاعبين، وتحقيق أكبر قدر ممكن من الأهداف واجتناب الخسائر الممكنة قبل وأثناء وبعد خوض الحرب. 


وتجدر الإشارة إلى أنه الحرب الباردة استخدم المحللون في مؤسسة راند مختلف تطبيقات نظرية الألعاب من أجل استكشاف عالم الاستراتيجيات النووية الجديدة، وذلك من خلال طرح التساؤل القائم حول كيفية قيام حرب نووية ؟ وما الذي يساهم في الردع النووي؟ وماذا يعني بالتحديد أن تكسب حرباً نووية؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة وبوجه أخص على السؤال الأخير قد أدى إلى إسقاط مصطلح الحرب بصفة تلقائية من عملهم، حيث برزت مصطلحات جديدة تشير إلى التحول في الأهمية الاستراتيجية، مثل ألعاب الأزمة والتدريبات العسكرية-السياسية، وألعاب التصعيد وتكمن الفكرة  الأساسية هنا في كون الحرب النووية ليست حرباً عادية كباقي الحروب أين يمكن لدولة ما الانتصار في المعارك الحاسمة مثل الحروب التقليدية، ومن هنا انتقل التركيز إلى فكرة الإدارة أو المعالجة لأجل تجنب استخدام السلاح النووي الذي في حال استخدامه يؤدي بصفة حتمية إلى إبادة نووية .


مع بدايات القرن الحادي والعشرين برزت العديد من المفاهيم الاستراتيجية العسكرية الحديثة والتي حملت معها تغيرات كبيرة في شكل الحرب الحديثة ووسائلها العسكرية ومضامينها الفكرية والعقائدية، ويعد مفهوم الحرب الاستباقية أو الوقائية من بين أكبر الحروب التي سخرت لها الولايات الأمريكية بعد هجمات الحادي عشر من شهر سبتمبر 2001      

  

 وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم الضربة الاستباقية  قبل أن تكون استراتيجية عسكرية حديثة تنتهجها عملياً الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها من القوى العامية لحماية مصالحها . وقد تمخض عن هذه الاستراتيجية مفهوم  الدفاع الوقائي أو الإستباقي كاستراتيجية دفاعية ذات خطوط سياسية وعسكرية عريضة وبالتالي فهو يعتمد على عملية توظيف لأدوات السياسة الخارجية، وهذا علاوة على الاعتماد على الإدارات السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويكون لوزارة الدفاع الدور المحوري في اتخاذ القرار النهائي حول الظروف الملائمة للقيام بالضربة الاستباقية.


و تتميز فعالية المؤسسة العسكرية الجزائرية باتباع الفئات الشاملة التالية: التحضير القتالي و الميداني والعقيدة، والمعدات والتدريب والتعليم والتمارين، والعمليات، والمؤسسات. فعلى الرغم من أن الإمارات غالبًا ما يشد بها  الخبراء العسكريون خاصة الولايات المتحدة الامريكية  باعتبارها تمتلك القوة العسكرية الأكثر قدرة وفعالية من بين دول العربية و الافريقية، لكي تصبح قوة محترفة تمامًا، يجب عليها الاستثمار في قدرات التخطيط الاستراتيجي وتقييم ودمج الدروس المستفادة من التجارب السابقة خاصة في مجال مكافحة الإرهاب و الجريمة المنظمة  

وللحديث بقية.

0/أرسل تعليق

أحدث أقدم
قطاف الاخباري